المؤشرات الثقافية العربية : الحاجة إلى قاعدة بيانات تحاكي الإستراتيجيات

ابراهيم العوامره

يعيش العالم الآن منافسة دقيقة في بناء قاعدة بيانات تساعد الدولة في قراءة منسوب النمو الثقافي والمعرفي والاقتصادي وتحولات البنى الاجتماعية، وصولاً لرصد المشتركات السياسية وتوجهات الشعوب، فأصبحت المؤشرات هي الحقيقة الواقعية لقياس تطور الدولة بعيداً عن التصورات الارتجالية، فكان الوطن محاول في نهاية القائمة التي تعتمد على تلك المؤشرات في بدايات تكونها كدولة، وبدأت الدول العربية في محاولات أولية لأن تدخل في باب رصد وبناء قاعدة بيانات تفيدها في بناء قراراتها فيما يخص الإنتاجية ومدّيات الفعل المعرفي في مجالات عديدة، منها : القراءة والأنشطة الثقافية وإحصائيات البنى التحتية، وطبيعة الخدمات اللوجستية وتطور السوق وطرائق تفعيل أدوات المنافسة في كل المجالات وصولاً للمنظومة الأمنية.


فلم تعد الغاية من بناء ووضع مؤشرات للأداء إعطاء توجهات محددة للإداريين، وإنما أصبحت تستخدم لغايات قياس تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة، وجاء ذلك بكون المؤشرات مادة مهمة للتخطيط الاستراتيجي للدولة، باعتبارها مقاييس مأخوذة من الأهداف الموضوعة سلفاً، والتي تحقق المبتغى الذي وضع من أجله، وقياس مدى فعاليتها وكفاءتها في تحقق الأهداف الموضوعة.
وقد أسهم الباحثون في تطور مفهوم المؤشرات الأدائية عبر إعادة تصنيفات المضامين والاعتماد على جوهرها الداخلي لتحقيق الأهداف بشكل أكثر دقة، ومن الباحثين الذين ساهموا في ذلك الباحث العربي زاهر بشير عبدو الذي أنجز منهجية ذات مضمون تصنيفي وهيكلي لمؤشرات الأداء بمسمى مؤشرات النجاح للمنظمات ZOW indicators»»، وما قدمه النيوزنلدي «ديفيد بارمنتر» بهذ الخصوص في كتاب خاص باسم مؤشرات الأداء الرئيسيةKPIs»» والذي احتوى بعض الاجتهادات في تصنيف مؤشرات الأداء، وإضافة مناظير مقترحة تطور منهجية قياس أداء الاستراتيجيات من خلال مفهوم «بطاقات الأداء المتوزان» Balanced scorecards التي طورها كل من كابلان ونورتن Kaplan & Norton.


وفيما يخص الفعل الثقافي هناك متطلبات أساسية لبناء منظومة متكاملة من البيانات لقياس مديات تأثيرها على المجتمعات العربية لكي تسهم في بناء جسور من التقارب والتفاهم وإفشاء الحوار على أسس محايدة، ومن أهم تلك المنظومات تعاطي العالم العربي أفعال القراءة كسلوك يعبر عن تقدم المجتمعات، وقد أشارت الكاتبة البريطانية آن مورغان عن تجربتها في أهمية القراءة وتبادل الموروث الثقافي بين المجتمعات. فالقراءة، برأيها، هي «سبيل لعبور كل الحدود، وتتيح التعرف على ثقافات الشعوب وتوسيع الفكر، ورؤية العالم من منظور جديد ومختلف»، وأن «القراءة تسهم في تقريب لغة التخاطب، وتعزز أواصر التواصل بين الأفراد حول العالم».
فالمنتج الإحصائي سواء كان ثقافياً أو اقتصادياً أو يتعلق بالبيئة والرياضة والترفيه والأمن والسلامة، ما هو إلا عملية رياضية تقدم جملة من النتائج التي تنبني عليها القرارات والإجراءات الحكومية لخدمة الدولة والمواطن على حد سواء.

العالم العربي ينشر 1650 كتاباً سنوياً بينما تنشر الولايات المتحدة وحدها 85 ألف كتابٍ سنوياً


ومؤشرات القراءة في العالم العربي بوصفها مؤشرات ضعيفة نسبة إلى العالم الغربي، فقد بلغ عدد ساعات القراءة في السنة الواحدة «35،24» سنوياً نسبة إلى عدد ساعات السنة والبالغ 8760 ساعة، وهي نسبة مرعبة لا تشكل الطموح الأدنى للقراءة نسبة للعالم المتقدم، فقد جاء العالم العربي في ذيل قائمة الأمم القارئة، ذلك أن متوسط معدل القراءة فيه لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنوياً، بينما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى.

تصل معدلات القراءة في أميركا إلى 11 كتاباً للفرد سنوياً، وفي بريطانيا إلى سبعة كتب، ما يظهر مدى التدني الذي وصلت إليه معدلات القراءة في الوطن العربي وفقاً لأحدث الدراسات لقياس مجال الإقبال على القراءة».


وتعد هذه النتائج مؤشراً مرعباً وسلبياً فيما يخص الجانب المعرفي للإنسان العربي والذي يشير إلى «أزمة قراءة» أو «فجوة قراءة»، وبحسب مؤشر المتغيرات التي تنتظم في: منسوب القراءة بحسب مجال المقروء: أي ما يخص طبيعة المقروء خارج نطاق متطلبات المنهاج الدراسي والعمل، وكذلك منسوب قراءة الكتب بحسب نوع وعاء المقروء، حيث تشير الدراسات والمؤشرات بتفوق القراءة الرقمية على الورقية؛ إذ بلغ المتوسط العربي لمنسوب القراءة الرقمية 19.45 ساعة سنوياً مقابل 16.03 ساعة للقراءة الورقية، ويرجع ذلك إلى الاكتساح الكبير لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وظهور بدائل تبدو أكثر جاذبية من الوثائق المطبوعة. فضلاً عن سرعة انتشار الوثائق والكتب الإلكترونية، وسهولة الحصول عليها وقلة تكاليفها.


«هناك اعتراف عالمي متزايد بأن الجيل الحالي من المراهقين والشباب يقرأ أكثر من أي جيل سابق، لكن عبر وسائط تكنولوجية مختلفة كاللوحات الرقمية والهواتف الذكية والحواسيب، وقد أدى ذلك إلى ظهور نمط جديد من القراءة يعتبره كثيرٌ من المتابعين أكثر تفاعليةً لكنه أقل تركيزاً لأنه محكوم بالسرعة والتوجه نحو المشاركة الخارجية، وبالتالي هناك تحول من عالم «القراءة التأملية» إلى عالم «القراءة الديناميكية».
أما بالنسبة لمنسوب قراءة الكتب بحسب لغة المقروء فقد احتلت قراءة الكتب باللغة العربية الترتيب الأعلى، «حيث بلغ المتوسط العربي 10.94 كتاب سنوياً، وتراوحت متوسطات الدول بين 1.23 في الصومال و20.4 في لبنان. في حين تراوح منسوب قراءة الكتب بلغة أخرى غير العربية ( الفرنسية أو الإنجليزية ) بين 0.9 في الصومال و10.22 في المغرب، ولم يتجاوز المتوسط العربي لقراءة الكتب الأجنبية 5.90 في السنة. وقد تفاوت حجم الفوارق بين منسوب القراءة باللغة العربية والقراءة بلغة أجنبية، حيث بلغ الفارق نحو 11 كتاباً في لبنان و8 في المغرب وقطر و7 في تونس؛ بينما لم يتجاوز كتاباً واحداً في الصومال وجزر القمر، وكتابين في موريتانيا، و3 كتب في اليمن وليبيا وجيبوتي».


ولا تعد هذه النتائج مناقضة لما يتم تداوله حول ما يخص تراجع مكانة اللغة العربية، لكن المؤشرات تشير إلى عودة الاهتمام بالعربية، وإغناء مضامينها بغض النظر عن الوعاء الحامل لها، ورقياً أو إلكترونياً، كي تصبح أحد الروافع الرئيسة لإنتاج المعرفة وتوطينها، دون إهمال اللغات الأجنبية، باعتبارها بوابة الانفتاح على المنتجات المعرفية، والمواكبة التكنولوجية للحضارات الأخرى.
والأمر الآخر يتعلق بإتاحة فرص القراءة ويعود ذلك للبيئة التي ينشأ بها الفرد، وطبيعة المناخ الثقافي السائد في حيزه ومحيطه.

تتمثل البيئات الحاضنة للمعرفة والقراءة في الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والمجتمع، حيث يرتبط تدني مستوى الإتاحة في مؤسسات المجتمع المدني والحكومي بضعف البناء الثقافي في البيئات العربية، وانحسار غياب الفضاء المهيأ للقراءة. إضافة إلى قصور فعالية التجمعات الثقافية، وضعف برامجها على مستوى النشاطات المحفزة على القراءة، وصولاً إلى ترويج المنتج الثقافي وإشاعته بين الناس.
والأمر الآخر يتعلق بالسمات الشخصية التي تشمل مجموعة السمات المعرفية والوجدانية الرئيسية لترسيخ عادة القراءة وتحولها إلى ممارسة مستدامة، دون إغفال الجوانب النوعية المتعلقة بموضوعة القراءة، وعدم الاكتفاء بقياسها كظاهرة كمية صرفة، وأعتقد أن ذلك يعود إلى ارتفاع مؤشرات أصناف القراءة الإلكترونية وأسبقيتها، مما ساعد في الاهتمام بحركة النشر وتسويق الثقافي «تفيد النتائج بأن 19.86 في المئة من المشاركين يتابعون بانتظام ما يُنشر من مؤلفات ورقية، و18.6 في المئة يتابعون بانتظام ما يُنشر في المكتبات الرقمية؛ ما يعني أن نسبة المتابعين لحركة النشر بنوعيه تصل إلى 38.29 في المئة، ويمكن اعتبار هذه النسبة إشارةً غير مباشرة إلى وجود اهتمام بعالم القراءة والمنشورات، وإلى التقارب الكبير في درجة هذا الاهتمام بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني».
وتشير الدراسات والمؤشرات الحديثة إلى أن مؤشرات الجوانب المعرفية في العالم العربي في تطور إيجابي، وهذا الأمر يحتاج إلى مواصلة الخطط الاستراتيجية، لغرس القراءة في نفوس جميع فئات المجتمع، وذلك من خلال إرساء برامج وممارسات تعليمية محفزة على القراءة، إضافةً إلى وضع برامج توعوية تستهدف الارتقاء بثقافة أمر الأسرة وتحسسها بأهمية تعويد الأطفال على ممارسة القراءة بانتظام؛ إلى جانب تهيئة البيئة الاجتماعية وتوفير ما يلزم من المرافق والفضاءات والفعاليات (المكتبات، ونوادي القراءة، ومعارض الكتب، وورش الكتابة، وغيرها). مع توظيف الإعلام بكل وسائله التقليدية والحديثة ليؤدي دوره في توجيه الذوق العام نحو القراءة، والتأثير في سلوك أفراد المجتمع، وبخاصة الأطفال والمراهقون.
وتشير القراءات فيما يخص تنامي المعرفة في العالم العربي إن القراءة «هي أحد أهم المؤشرات الدالة على تنامي الوعي الثقافي، فأهمية القراءة الجادة لا تخفى على أحد، فهي مفتاح توسيع المدارك، ولمعرفة التطورات التي تحصل في عالمنا، وحلقة للتواصل مع الآخر، وعلى الرغم من ذلك، تشهد القراءة على المستوى العربي عموماً، تدني نسبة الإقبال، مقارنة بالقراءة عالمياً، والأسباب متعددة، فهناك عوامل ثقافية واقتصادية واجتماعية، أدت إلى هذه النتيجة السلبية».

مقالات ذات صله