الثقافة والإبداع مسؤولية قبل الحرية

د. انتصار خليل عشا

الثقافة بمعناها الواسع تشمل نتاج المفكر، فيما هو الفكر الإنساني العام، أو الفكر السياسي أو الفكر الديني أو الفكر الاجتماعي أو الفلسفي، ونتاج الأديب من شاعر وناثر وروائي، ونتاج الفنان من ممثل مسرحي أو سينمائي ومخرج ومصوِّر ورسّام ونحّات وتشكيلي ومصمم وخطاط، وموسيقي وملحن ومغنٍّ وعازف وغيرهم.
الثقافة عموماً وما تشتمل عليه من أدب وفن تنقسم من زاوية ما إلى ثقافة تكرارية أو مقلـِّدة، وثقافة تجديدية أو مبدِعة.


إذن لا بد من تنمية الإبداع، سواء الإبداع بالحد الأدنى أو الإبداع الجزئي أو النسبي، أو الإبداع بالحد الأعلى، أي ملكة التجديد الجذري والكلي والشامل. لأن الثقافة إذا تخلت عن الإبداع، استغرقت في التكرار والاجترار الثقافيين بدرجة أو بأخرى، وبالتالي لا تكون ثقافة حية متجددة، بل ثقافة تجترُّ نفسها وربما تنتحر انتحاراً تدريجياً، فتفقد أولاً حركيتها، ثم حيويتها، ثم حياتها.

فما موقع الحرية الثقافية في ظل تآكل النخبة المثقفة الحقيقية، بل وفي ظل تضاؤل الوجود الفاعل للمثقف؟
هل تسمح هذه الحرية الثقافية بشيوع تعددية الرؤية وتعصف بتلك الأحادية القابعة في خلايا العقل العربي؟


إن الحرية الثقافية في المقام الأول هي مسؤولية أدبية. هي حرية أن تسجل رأياً، وأن تعلن فكرة، وأن تقدِّم أطروحة، وأن تؤكد نظرية، وأن تتبنى موقفاً فاعلاً. هي حرية التجديد والتطوير والإحياء، حرية البحث، حرية التحلل من كافة المعوقات التي تقيد حركة الفكر في خط أفقي. هي الحرية الفاعلة في تسييد الروح الإبداعي، بل حرية إنتاج منظومة مفاهيمية جديدة وليس إعادة إنتاج وتدوير الموروثات. هي الحرية التي تحلِّق في أفق مفهوم رؤية العالم وغير متقوقعة في أي إطار إيديولوجى.
من هنا علينا التنبه إلى أن الإبداع والفن والثقافة جميعها مسؤولية ورقابة داخلية قبل أن تكون حرية عارمة وفوضى خلابة لا نطيقها نحن، أو غيرنا، فالحرية بلا مسؤولية انفلات وفوضى وإبداع بلا هدف أخلاقي مغامرة غير محسوبة النتائج وجريمة فى حق الإنسان.
ومنذ أن هبط الإنسان على هذا الكون وهو يدرك أن الحساب والعقاب جزء من ثوابت هذه الحياة ، ففى كل شيء يطبق الإنسان مبدأ المحاسبة، وحين تختل المقاييس وتسقط الثوابت وتصبح الفوضى أسلوب حياة هنا ينبغى أن نتوقف ونراجع حتى لا تتحول الحياة إلى غابة تحكمها عشوائية الفكر والسلوك، من هنا تدرك أن الضبط والانضباط للحصول على معايير للحرية هو أساس المسؤولية المبعثرة على أرض الواقع.

فالحرية الثقافية تصبح من الضرورات الوجودية المعاصرة التي تستلزم الممارسة الفعلية العاجلة لإقالة الواقع العربي والإسلامي من كارثياته المتلاحقة التي أوشكت أن تودي به، وعلى ذلك لا بد من استحضار معنى مهم في حيز اللاشعور العربي وهو: أن الثقافة هي الفكرة المركزية في بناء الإنسان وعياً وروحاً ونفساً، وقبل ذلك لا بد من الوقفة مع معنى الحرية الثقافية محددات وجوهر ومستقبل عبر العديد من التساؤلات.


أولها: هل الحرية الثقافية هي الانسياق وراء تيار ما بعد الحقيقة الذي تؤكد مضموناته مدى الارتفاع الجنوني لمعدل الأكاذيب والشائعات والأوهام والاختلاقات؟
هل على الحرية الثقافية أن تنحاز إلى الفعل التواصلي المتمثل في التعايش والتفاهم والحوار والتسامح وقبول الآخر؟
هل تعني الحرية الثقافية التشكيك في جذور الهوية أو تفكيك المنظومة القيمية؟
هل تكون الحرية الثقافية هي الحرية الممنهجة أم الحرية العشوائية؟
هل يمكن لهذه الحرية الثقافية أن تنتج نظرية فكرية ذات توجه حضاري؟
فالمعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسة وهو أقوى المواثيق الدولية الملزمة إنما ينص على أن التمسك بالحقوق في حرية التعبير يتبعه بالضرورة واجبات ومسؤوليات شتى، فالحرية الثقافية مقيدة بشرطيات الوعي المتوقد والخلفية الثقافية والتجربة الذاتية والاعتبار بطبيعة اللحظة المعاصرة، بينما حدود التعبير الإبداعي مطلقة إذا توافرت لها مقومات الحرية الثقافية، لأن الإبداع هو اندماج الملكات الذاتية أملاً في بلوغ تخريجات روحية ونفسية وفكرية. ومن هنا ترتبط مساحة الحرية الثقافية بدرجة الأهلية النقدية.

علينا التنبه إلى أن الإبداع والفن والثقافة جميعها مسؤولية ورقابة داخلية قبل أن تكون حرية عارمة

فمسؤولية الأشخاص عن كل ما يصدر عنهم هي التي تفصل بين العقلانية والتسيب، وبين الممارسة المتحضرة والسلوك البدائي المتوحش، لأن الإنسان حينما يفعل كل ما يمليه عليه مزاجه دون تحكيم العقل، ودون التمييز بين ما ينفع الناس والمجتمع، وما هو مضر بالغير، أو حتى إذا كان قادراً على التمييز وأعرض عنه ليمارس ما تُمليه عليه الأهواء الخاصة، فعندها سيكون قد غلب عليه السلوك غير المتحضر، بل غير الإنساني، وحماية للمجتمع من الفوضى والعبث والتسيب، يتحمل كل شخص متمتع بقواه العقلية، مسؤولية كل ما يصدر عنه من أفعال وأقوال وكتابات وسلوكيات، ولا مجال للتملص من الأحكام القانونية التي تطال ما يصدر عنه إذا كان مخالفاً أو متجاوزاً لتلك الأحكام.


وعلى ذلك، فكلما اتسعت آفاق الحرية الثقافية صارت إحدى ركائز التقدم الحضاري وسبباً مباشراً في شيوع روح التنوير وتكريس أسس النهضة الفكرية؛ إذ إن اللحظة الراهنة التي يعايشها العالم العربي والإسلامي إنما تتطلب مزيداً من هذه الحرية علماً وفناً وأدباً وفكراً، وليس قليلاً من تلك الحرية المنفلتة التي جعلت عالمنا متغيراً.
إن الحرية بمفهومها العام تشكل العمود الفقري في المنظومة الحقوقية، وتندرج ضمن المقومات الرئيسية للمجتمع الديموقراطي، وتعد عنصراً أساسياً لإتاحة المجال للإبداع والخلق، ولا يمكن من دونها تحقيق التطور والتقدم في حياة الإنسان؛ وهي لا تُنتج كل ما تنطوي عليه من قيم ومزايا إلا بارتباطها الوثيق مع المسؤولية التي يحدد مداها القانون.


فإذا كان كل شخص من حقه الطبيعي والقانوني أن يمارس حريته في الفكر والتعبير وفي الانتماء، وفي اختيار المجال المهني الذي يعمل فيه، وفي ممارسة النشاط السياسي والنقابي والثقافي والرياضي والاجتماعي الذي يرغب فيه، أو في الإعراض عن ذلك، أو عدم ممارسة أي نشاط، فإن كل شخص إذ يمارس حريته يبقى مسؤولاً عن كل ما يصدر عنه، أي أن حريته ليست مطلقة، وأنه لا يمكنه باسم الحرية أن يفعل أي شيء يتبادر إلى ذهنه، أو يروق مزاجه، أو يراود مخيلته، دون أي اعتبار لما قد يترتب عن ذلك من أضرار للآخرين، فالشخص الذي يمر في الشارع العمومي ويرشق الناس بالحجارة، لا يمكن أن يوصف فعله بممارسة الحرية، وإنما يوصف من طرف المجتمع بالجنون، ويكيَّف قانوناً بالاعتداء، الذي يستوجب العقاب، كما أنه لا يمكن التشهير بأعراض الآخرين، والمسّ بمشاعرهم ومعتقداتهم الدينية، أو السخرية من مقدساتهم، أو النيل من كرامتهم، أو محاولة الإساءة إلى سمعتهم، عن طريق خطابات موجهة إلى العموم، أو عبر مقالات صحفية، أو رسومات كاركاتيرية، أو غيرها، بدعوى حرية التعبير، لأن الحرية محدودة في إطار ما لا يضر بالآخرين، ولا يحد من حرياتهم، ولا يتجاوز حقوقهم، ولا يمس معتقداتهم الدينية، ولا يحد من ممارستهم لشعائرهم، ولا يخدش مشاعرهم وكرامتهم، ولا يضرب الأسس التي يرتكز عليها المجتمع. وهذه الحدود هي التي يرسمها عادة القانون الذي ينظم حياة الأفراد في الجماعة، ويخوِّل كل متضرر الدفاع عن حقوقه، والتصدي لأي اعتداء يتعرض له برفع الأمر إلى القضاء، الذي له وحده صلاحية البتّ فيما يعرض عليه، طبقاً للمقتضيات القانونية.

إن الحرية بمفهومها العام تشكل العمود الفقري في المنظومة الحقوقية، وتندرج ضمن المقومات الرئيسية للمجتمع الديموقراطي

ودور القانون هو وقاية المجتمع من الاختلال والاضطراب، وصيانة قيمه من العبث، وحماية الأفراد ومصالحهم، وضمان التكافؤ بينهم، وتحقيق التوازن بين المصالح المختلفة، وهو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، لأن السلطة التي تشرِّع وتصدر القوانين، تكون وفق القواعد الديموقراطية نابعة من الشعب، وممثلة لفئاته المختلفة، فتأتي القوانين معبرة عن الإرادة الجماعية للأمة؛ واحترام سيادة القانون داخل دولة ما من طرف الجميع، حاكمين ومحكومين، مؤسسات وأفراداً، ودونما اعتبار للمواقع السياسية والنفوذ، والأصل السلالي والجاه والمال، وهو ما يعرف بدولة القانون.
ويمكن القول من الناحية النظرية أن التلازم بين الحرية والمسؤولية مبدأ بديهي، غير أن تبلور هذا المبدأ في الحياة العملية، يتوقف على مدى انتشار الثقافة الديموقراطية في المجتمع، ومدى تشبُّع مختلف الفاعلين بها، وإلى أي حد يترجمونها في سلوكهم اليومي، علما بأن المجتمعات التي لم تستقم فيها الممارسة الديموقراطية بعد، أو تجتاز مرحلة (الانتقال الديمقراطي)، يأخذ فضاء الحريات في الاتساع، وعندما تحرص مختلف مكونات المجتمع على استغلال ذلك في تعزيز المكتسبات، وتعميم وترسيخ الثقافة الديمقراطية، تكون قد اختارت الاتجاه الطبيعي والصحيح، بينما يؤدي الانزلاق في مواقف غير مسؤولة إلى تعطيل البناء الديمقراطي، والتشكيك في مقوماته وآلياته، لدرجة قد تصل إلى حد اليأس من جدواه.

مقالات ذات صله