الثقافة والفن بين الحـرية والإبداع والمسؤولية

محمد العامري
الحديث عن الثقافة والإبداع لا بد من الذهاب مباشرة إلى مساحة الحرية التي من الممكن أن يتحرك بها الإبداع، إلى جانب مدى مسؤولياته فيما يقدم من نصوص لها علاقة بمجريات الحياة والإنسان كونه المتلقي الأساس لهذا النص أو ذاك، فالثقافة بمعناها الأبعد هي المنظومة الشاملة للنتاج الفكري الإنساني، من فكر سياسي وتقانة أو فكر اجتماعي وفلسفي، وصولاً إلى مخرجات الأدب والفن: «سينما ومسرح وفنون تشكيلية وموسيقى وغناء»، والفكر الديني ومدِّياته التفاعلية مع طبيعة المجتمعات الساكن فيها. فما يواجه الإبداع هو التكرارية التي تنتظم في إعادة قول ما قيل، وهذا الأمر يقودنا إلى مسألة مفهوم الإبداع والنسخ القاصر عن ابتكار فكرة تمتلك الجِدة والدهش.
إنَّ مسألة الجديد في الإبداع نسبية، بل تحتاج إلى مراجعات دقيقة في مسألة الجديد والمنسوخ، وهي محاولات إنسانية منذ صرخة الإنسان الأولى، فالتقليد هو مسخ للجديد المنجز في وقته، وهذا يعود إلى مسؤولية منتج النص ذاته ومدى مسؤوليته تجاه ما يقدم للعالم.


يقول الكاتب ضياء الشكرجي بهذا الخصوص «الثقافة عموماً وما تشتمل عليه من أدب وفن تنقسم من زاوية ما إلى ثقافة تكرارية أو مقلِّدة، وثقافة تجديدية أو مبدِعة. حتى النوع الأول قد لا يخلو من بعض الإبداع في بعض التفاصيل، إلا أنه بشكل عام لا يأتي بجديد، إلا الجديد النسبي، أما إذا كانت الثقافة تكرارية بشكل تام، فهي لا تنتج جديداً، بل تجتر القديم، وهنا يمكن أن نعتبر الثقافة الاجترارية أردأ أنواع الثقافة التكرارية، مع أن الإبداع نفسه نسبي لا يخلو من بعض التقليد، فالمبدع المطلق ليس إلا علة الوجود الأولى سبحانه».

الثقافة عموماً وما تشتمل عليه من أدب وفن تنقسم من زاوية ما إلى ثقافة تكرارية أو مقلِّدة، وثقافة تجديدية أو مبدِعة

فالتجديد؛ أي إبداع الفكرة هو معضلة التحدي بين غياب الفكرة وحضورها وصياغتها لتكون أكثر دهشة ومناكفة للاعتياد، فهي خارج سياق ما اعتدناه وما عرفنا لتكون جديدة وسامقة.
فما عاش إبداع بلا حرية في حركة المخيال والتخيل، فلا رديف له سواها ليمتلك شرط الديمومة والانسراب في شرايين المجتمع ليصبح جزءاً أساساً في سياق وجودها.

كل ذلك يحتاج إلى بيئة مشفوعة بحرية التفكُّر والتفكير، كي يتنامى العقل في تجاوزاته للحصول على فكرة نابهة لم يسبق لها أن وجدت، وهذا الأمر يقودنا إلى مفاهيم التنمية في منطقة الإبداع كقيمة إنسانية وإنتاجية من الممكن أن تحقق رفاهية غامرة، محفزة للكائن الإنساني لأن يتنفس حريته من خلال الاحتكاك بالجمال ومدّياته العالية.


فنحن الآن أمام عالم يتسابق في إبداع الأفكار وفرادتها بعيداً عن الاستغراق في الاجترار والمكرور، فالوقوع في مكرورات سابقة أقرب إلى انتحار الفكرة ودورانها في فلك الاعتياد؛ أي الفلك الصفري الذي لا ينزاح عن مداراته التي عرفناها، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال امتلاك الإبداع لشروطه المتجاوزة، ومن أساس شروطه أن تحظى الثقافة بمناخ حرية ناجزة ومسؤولة، بعيداً عن الاختناقات التي تنتجها السلطات المحافظة سواء كانت سياسية أو إاجتماعية أو دينية كصورة من التعسف الذي يواجه الخيال وطموحاته المشروعة.

الحرية بوصفها حيوات دافعة للتجاوز:


شكلت الحرية بمفهومها الواسع المناخ الأكثر تحفيزاً وحيوية لنبوغ المبدع في إنتاج منظومته الإبداعية الحرة والمسؤولة، فهي حريتان، حرية المبدع من داخله والتي تتمثل في استعدادات المثقف للتحرر من الموروث الثابت والمألوف المعتاد، وهذا يتطلب مكوث المثقف في القلق الإبداعي ومحاولاته الدؤوبة للتجديد والتجاوز، متمثلاً روحاً متمردة بعيداً عن الارتجالية والغوغائية؛ أي التجاوز المسؤول.
وهذا الأمر يقودنا إلى مخرجات تسهم في إشاعة رسالة الإبداع الجمالية والإنسانية، بل يدخل في تنمية الذوقية الجمالية في المجتمعات الإنسانية المادية والمعنوية، وصولاً إلى التهذيب النفسي وانخراط الكائن في سياقاته الحضارية الراقية عبر مرجعيته الذوقية العالية.

فكلما انخرط الإنسان في تفاعلات القيم الجمالية كطريقة حياة تهذبت نفسه وانتصر لوجوده الراقي، ولا يتأتّى ذلك إلا عبر حرية الثقافة بأنساقها البعيدة وثقافة الحرية المسؤولة والوسطية الناجية من التعسف والتطرف والغلواء، والتي تسهم بالتالي في ثقافة ديمقراطية منحازة للعدالة. ومن هنا نرانا نحتاج بشكل جذري إلى ثقافة ديناميكية وحيوية تتنامى عبر تنافسية المخيال بعيداً عن المناخات القاصرة والخانقة، وإحداث فروقات الاعتياد الذي شكل استاتيكية مكرورة وغير فاعلة، دون نسيان وإخفاء من يبدعون في ظروف اختناقية وسلطوية، فهم الاستثناء المتفرد الذي لا يقاس عليه. من هنا لا يمكن للإبداع أن يكون فاعلاً بشكل عام أو أن يتحول إلى ظاهرة في ظروف افتقاد الحرية.


ففي الحديث عن ظروف الحريات الإبداعية لا بد من التفريق بين الحرية بمفهومها الإنساني والانفلات، فثمة فرق جوهري بين ما هو حر وما هو منفلت، والفرق يأتي من خلال الفرق بين الحرية المسؤولة والانفلاتية، ولا تندرج الحرية المسؤولة في نطاق الحرية الموجّهة وبالتالي انتفاء الثقافة الموجّهة، فقد رزحت الثقافة تحت وطأة سلطات مركبة بحجة توجيه مساراتها وتحديد مدياتها في التجاوز لما اعتدنا عليه كمفردات الهوية الوطنية والثورة والدين، وخطورة موجهاته واستبداد مفردة القداسة سواء كانت حقيقية أو وهمية مما أفقدنا الحاسة الناقدة وصولاً إلى المراجعات العلمية لما هو وهم وخرافات اجتماعية تكلست في عقول هذا المجتمع أو ذاك، ومن الضرورة بمكان أن تلك المعطيات ستكون عثرات قامعة لما هو إبداعي. فالحرية المسؤولة ليست قيداً لوجودها الفاعل، بل هي النسغ الذي يسهم في لظم منظومة الإبداع عبر ظروف تتناسب والإبداع نفسه الذي لا يعيش ولا يتنفس إلا عبر هواء الحرية ذاتها، وإذا تورطنا في الخلط بين الحرية المسؤولة وبين الحرية الموجّهة سنصل حتماً إلى نتيجة قسرية فرضت على طبيعة التوجيه حيث تفقد الحرية المسؤولة مناخ وجودها الأصيل، عبر تقييدها بمفردات متنوعة ومتعددة منها الثقافة المؤدلجة أو المُسَيَّسة، ولا يقتصر ذلك على دعاة تسييس الدين، بل تشمل الإيديولوجية الشمولية، لذلك لا بدَّ من تجاوز كل تلك المعضلات من أدلجة وتوجيه للوصول إلى حيادية في النظر إلى ثقافات المجتمعات جميعاً بوصفها منتجاً كونياً يتم التعامل معه بوصفه حقاً من حقوق الإنسانية، وصولاً إلى قبول التعاطي مع ثقافة الآخر بما يتناسب والشخص ذاته، وأذكر هنا ما قاله الفيلسوف الهندي «رادها كريشنان»: «إذا ما تعالينا عن مظاهر الاختلاف بين المعتقدات والثقافات، فسنجدها جميعاً واحدة، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة، وإن تنوّعت وتعددت ثقافاتها»، وكذلك ما خلص إليه الإمام الشيرازي الذي دعا إلى تكامل وتآلف الثقافات الفرعية ضمن منظومة ثقافية واحدة تجمع الجهود والمحاصيل الثقافية الفردية والفرعية ضمن دائرة واحدة.

واعتقد أن الثقافة بدمقراطيتها لا بد وأن تكون سلمية تصالحية في نظرتها إلى موروثات الآخر لكونها مناخاً للحرية المسؤولة التي لا تتعسف في نظرتها لثقافة الآخرين، ومن ثم فإن الحرية الثقافية ضرورة إنسانية تستلزم الفعل اليومي للنهوض بوجود الإنسان ونجاته من القسوة والعنف وبناء ذاته بكل مركباتها المعنوية والمادية والنفسية وصولا ًإلى الإنتاجية الفاعلة.


فالحرية الثقافية يجب أن تنحاز إلى حيوات الفعل التفاعل والتواصل التي تقودنا إلى التعامل الواقعي مع مفاهيم التعايش والحوار بعيداً عن الصدام القيمي والعقدي، فحرية التجديد والابتكار والبحث عن أقانيم جديدة تساهم في تكريس إنسانية الإنسان ووجوده الخلاّق، من حيث إنتاج منظومة من المفاهيم الجديدة الفاعلة التي تتواكب وطبيعة وجوده في كل حقبة من الزمن، بوصف الإبداع حالة من حالات الديمومة المستمرة، دون الركون إلى إعادة إنتاج ما ورثناه من حقب سابقة والتكلس في الأطر العقدية والإيديولوجية.

مقالات ذات صله