الثقـافـــة العـربيـــــة فــي المناهــــج التعليميــة

أ.د. راشد عيسى

تعد المناهج التعليمية في كل بلد العالم البنية التأسيسية الأولى لفكر الدولة في خططها وبرامجها المستقبلية وأهدافها التنموية البعيدة. فعندما تفوق الاتحاد السوفيتي على أميركا في علم الفضاء في الستينات دعا الرئيس الأمريكي وزير التربية والتعليم إلى إعادة النظر في المناهج الأمريكية. ذلك لأن المناهج المدرسية هي القواعد الأولى التي ينبني عليها العمران العلمي والفكري بشتى اتجاهاته وتحولاته.

والمتأمل بالمناهج التعليمية العربية في حقبتي الخمسينات والستينات يجد أنها مستندة بشكل كثيف واسع إلى توظيف مختلف ملامح الحضارة العربية القديمة والمعاصرة بحيث اتسم المنهاج في كل دولة عربية بالبعد القومي العربي للغة والدين والتراث والعلوم والتربية وسائر المساقات التعليمية الأخرى.
وعلى سبيل المثال كانت أناشيد الطابور الصباحي مفتتحًا ثابتًا لليوم الدراسي للطلبة، ينشدون مع الصباح:

بلاد العُرْب أوطاني من الشام لبغدانِ
ومن نجد إلى يمنٍ إلى مصر فتطوانِ

إضافة إلى نشيد الجزائر الذي كان يملأ وجدان الطالب بالحس الوطني العربي المندغم مع مسار النضال العربي من أجل التحرر من الاستعمار.

لقد حرص مؤلفو الكتب المدرسية ولا سيّما كتب اللغة العربية لجميع المراحل الأساسية والثانوية أن تتضمن الكتب نصوصًا لأدباء عرب بارزين من كل العصور، ولم يكن أدب الأطفال المتخصص منتشرًا في ذلك الوقت، إنما يختار المؤلفون قصائد عربية مناسبة للمرحلة

لقد حرص مؤلفو الكتب المدرسية ولا سيّما كتب اللغة العربية لجميع المراحل الأساسية والثانوية أن تتضمن الكتب نصوصًا لأدباء عرب بارزين من كل العصور، ولم يكن أدب الأطفال المتخصص منتشرًا في ذلك الوقت، إنما يختار المؤلفون قصائد عربية مناسبة للمرحلة، وذلك من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي، شعر لكبار الشعراء كالمتنبي وأبي العلاء المعري والبحتري. ومن الشعراء المعاصرين احمد شوقي وحافظ إبراهيم وسليمان العيسى ومصطفى وهبي التل وبشارة الخوري وأبو القاسم الشابي وقد كانت المناهج الأردنية أوسع المناهج العربية احتواء لملامح الثقافة العربية في جميع المباحث، فمع انتهاء المرحلة الثانوية يكون الطالب قد ألمّ بقضية فلسطين والجزائر، وتشرب معارف كافية من جغرافية الوطن العربي وتاريخ الأمة العربية، فضلاً عن التاريخ الأوروبي الحديث. وكان مساق الفلسفة والعلوم والرياضيات يدرس أيضًا للاتجاهين العلمي والأدبي. فيتخرج الطالب مهيأ للمرحلة الجامعية ومعززًا بثقافة واسعة مؤهلة للنجاح الأكيد في المرحلة الجامعية.
وكان المعلمون يمارسون دور الأبوة والرعاية والتربية بصورة انتمائية عظيمة يطبقون المناهج بإخلاص ومثابرة، إذ يتمتع المعلم بصيت رحيب وأهمية كبرى في تربية الناشئة على الاعتزاز بالمقومات الحضارية العربية.


غير أن النظام التربوي في كل دولة عربية إنما يخضع في ثباته أو تحولاته إلى تغيرات السياسة وإلى تحولات التقدم العلمي. ففي عام 1987م عقد في الأردن أكبر مؤتمر لتطوير التربية والتعليم، وذلك إثر استشعار حاجة المناهج إلى التطور لتناسب مستجدات العصر. فقد كثرت تخصصات المباحث الإنسانية والعلمية من جهة، وظهر سوق العمل بحاجة إلى الاتجاهات المهنية اللازمة للتطور الصناعي على جميع الصعد من جهة ثانية. فقامت وزارة التربية والتعليم باستحداث مساقات مهنية عديدة أعدت لها مناهج ملائمة، من مثل الأقسام الصحية كالتمريض، والأقسام الصناعية [ البناء، الميكانيك، التنجيد وغيرها]. وزادت المدارس الصناعية والمهنية في جميع المحافظات.
ومن الجدير ذكره أن فترة الثمانينات شهدت أعمق تطور للمناهج تمّ بين وزارة التربية والتعليم السورية ووزارة التربية الأردنية عبر تأليف مناهج تعليمية مشتركة دامت سنوات عدة حتى عام 1987م عام انعقاد مؤتمر التطوير التربوي، وقد قدمت تلك المناهج المشتركة صورة واسعة مهمة عن وحدة الثقافة العربية في مجال الآداب والعلوم.
غير أن مناهج اللغة العربية تحديدًا بقيت مستمرة في تغطيتها لتاريخ الأدب العربي ومظاهره القديمة والمعاصرة، ولا سيّما التعريف بكوكبة جيدة من الأدباء العرب الأحياء، فاغتنت المناهج الأردنية بالأدب العربي لشعراء وقصاصين أردنيين من جميع الأطياف الفكرية، حيث قام بمهمة الإشراف والتأليف مجمع اللغة العربية الأردني ونخبة من الأكاديميين والمؤلفين.
ومع عام 2000م تضاعفت الحاجة إلى متابعة التطور التكنولوجي في ثورة المعلومات وعدد وسائط الاتصال الاجتماعي الإلكتروني، فبدت الحاجة الماسة إلى التعليم الإلكتروني. فزودت وزارة التربية والتعليم المدارس بأنظمة الحاسوب وأعدت لها مناهج خاصة وكفاءات خبيرة ما زالت مستمرة حتى الآن.
على أن ملامح الثقافة العربية ما زالت ماثلة ومتجددة في المنهاج الأردني غير أنها متفاوتة الكم والحضور في المناهج التعليمية العربية الأخرى.
ومن الأهمية الإشارة إليه أن التطورات السياسية في عشرين السنة الأخيرة أثرت في تشكيل المناهج التعليمية تأثيرًا واضحًا.


وأرى أن الأهم من ذلك كله هو حاجة المناهج التعليمية العربية إلى تطوير رئيس يعزز التعليم التقليدي، وأعني بذلك ضرورة استحداث مناهج تعليمية للتربية الموسيقية وللفن التشكيلي والتربية الرياضية، وللتذوق الجمالي بأنواعه المختلفة. ولنا في ذلك أسوة بالمناهج اليابانية والأوروبية التي تعد الطالب إعدادًا كاملاً للحياة من حيث المعارف والثقافة والفكر ومن حيث التربية الجمالية في الغناء والرسم والمسرح.


وما لم يتطور المنهاج التعليمي العربي إلى آفاق تربوية تعليمية تنقذ التعليم التلقيني من جموده فلن يصل الطالب العربي الى ما يريد من مشاركة حقيقية في صناعة الحياة التي يتمنى.
يعتمد التلاميذ الآن على ما يحصلون عليه من عالم الاتصال الإلكتروني من معلومات وتقنيات. فما زالت المناهج ثابتة لا تؤدي غرض التطور على الرغم من المحاولات المستمرة في إنقاذ النظام التربوي من تقليديته.
والحق أن ملامح الثقافة العربية بدأت تخفت شيئًا فشيئا في المناهج التعليمية بسبب الانبهار بالحضارة الأوروبية والانصياع لثقافة العولمة، فلم يعد للخصوصية الثقافية العربية ذلك الوهج الذي نريد، بسبب ضعف شخصية الأمة الآن ومواجهتها للتحديات السياسية المريرة التي تُحاول استلاب مقوماتها الإنسانية العالمية التي كانت سببًا رئيسًا في التقدم العلمي والثقافي في جميع أنحاء العالم. لقد باتت ثقة الطالب العربي بأمته ولغته وتاريخه مهزوزة ضعيفة الأمر الذي ينبئ بالخوف الشديد من مستقبل أبنائنا المتأرجج بين الثوابت العربية الثقافية وتداعيات المدّ الثقافي العالمي الذي اجتاح كل بيت وكل طفل وكل نظام تربوي.

مقالات ذات صله