المجلات الثقافية بين المطــرقة والسندانّ

عماد الدين موسى

لعلّ العاملين في الشأن الثقافي، بوعيهم الثقافي والمعرفي، أدركوا النقص الحاصل في بعض الأحيان في مجال الطباعة والنشر؛ فكما هو شائعٌ، ليس الجميع قرّاء للكتب، والذائقة البشرية تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر أيضاً، فمن تستهويه نوع من الكتب قد لا تستهوي غيره، وهذا مرتبط بموضوع المتعة والفائدة، أي باللذة من غير انفصال، أي أنّه ينبغي على النص أن ينجز بشفافيّة الرابطة الاجتماعية والثقافية، ويساهم بطريقة أو بأخرى في ترسيخ هذا الهدف، والغاية التي يسعى إليها، لذلك استدعت الحاجة إلى إيجاد بدائل لذلك؛ فكانت المجلات والصحف المقترحات الضرورية الملحّة، طالما أنّ الكتابة صيرورة، والعالم في مستمر، ولا يتأتى للكتاب وحده ملء ذلك الفراغ الناشئ عن عدم القدرة على تغطية كافة الأحداث الرئيسة، والأفكار المهمة والمبدعة التي تنقلها الصحافة كل يوم للناس، حيثُ استطاعت المجلات أن تقوم بدور كبير في هذا المجال، لأن الضرورة تفترض وضع الثقافة في متناول الجميع، وهذا ما يستدعي القيام بكافة الخطوات، وتوفير كافة الوسائل التي تساعد على ذلك.

حال الثقافة في الفترة الراهنة المطالعة اليومية لبعض المجلات تنبئنا بالكثير مما آلت إليه الثقافة في الفترة الراهنة، والهدف الذي يسعى منه أصحابها؛ عندما يحاكون الواقع والمجتمع؛ عبر العمل على مجلة تُقدّم إليهم، ومن المفروض أنها اتبعت الخطوات الأساسية المتوخاة من أي عمل أدبي وثقافي؛ يبتغي الارتقاء بالثقافة، ونقلها من طور إلى آخر؛ أكثر تطوراً وتواؤماً مع الذائقة الموجهة إليها، وخلال عملية تقبل هذه الظواهر بين ظهرانينا، والتي تمثل ثقافة أية فئة اجتماعية يشعر الإنسان بإحساسات خاصة؛ إذ يجد الجمال والقبح، والسمو والابتذال،

❞ لذلك استدعت الحاجة إلى إيجاد بدائل لذلك؛ فكانت المجلات والصحف المقترحات الضرورية الملحّة، طالما أنّ الكتابة صيرورة، والعالم في مستمر، ولا يتأتى للكتاب وحده ملء ذلك الفراغ الناشئ عن عدم القدرة على تغطية كافة الأحداث الرئيسة، والأفكار المهمة والمبدعة التي تنقلها الصحافة كل يوم للناس ❝

وغيرها من الثنائيات المتلازمة مع بعضها، والتي تخلق لديه دافعاً من القبول أو الرفض، والذي يبدو له من الوهلة الأولى مشوّقاً وهاماً؛ بقدر ما تشكل له صدمة في الوقت نفسه.

تتفاوت المجلات في صورتها هذه؛ فمنها ما يلاقي الاستحسان، ويشعر معها القارئ بالارتياح النفسي والاستمتاع والرضا إلى أبعد حدّ؛ فحين تتخذ المجلة من التبويب والترتيب المتعارف عليه لدى الشريحة الواسعة من أبناء المجتمع أولاً، والمثقفة ثانياً، وتستطيع أن تتعامل مع هذا التبويب بالشكل المطلوب؛ تستطيع من خلاله التأثير فيهم، وجعلهم يقبلون عليها، ويصبحون من قرّائها، لكننا نجد أحياناً في بعض المجلات تبويباً متداخلاً وفوضوياً؛ تختلط فيه جميع الأجناس الأدبية مع بعضها؛ من دون أن تترك للقارئ المجال للتوجه إلى الباب الذي يرغب فيه، ويريد، فيضع هذا التبويب النص الشعري مع المقالة، والدراسة مع القصة، وهذا ما يسبب إشكالية لدى أي قارئ كان، وتسبب له نوعاً من التململ، وتجعله يعزف عنها لمجرد تصفّح المجلة، أو قلب أوراقها بدافع الفضول.
وقد يقوم أصحاب هذه المجلات بهذا العمل بدافع التنوع، والخروج عن النمط المألوف في التبويب، وترتيب المحتويات، أو الابتكار حتى؛ متناسين أن هذا العمل يقوّض أركان المجلة، ويهدمها، بدافع التجديد والإبداع والسبق.

الوقوع في معضلة الاستنساخ
عدم وجود الأفكار المبدعة، والقدرة على التجديد والإبداع، يخلق مشكلات كثيرة في أية مجلة يسعى القائمون عليها إلى تنوير المجتمع، والارتقاء بالثقافة وتطويرها، ويوقع المجلة في معضلة الاستنساخ من غيرها، وتقليدها في كل شيء، ابتداء من تقسيم وتوزيع أبوابها وفصولها، وانتهاء بالمواد المقدّمة إليها من قبل الكتّاب، وهذا أمر متعارف عليه في الوسط الثقافي؛ إذ يهتم القائمون عليها بالأفكار المتداولة في عالم الإعلام والصحافة والثقافة ، وما يتم التركيز عليه في راهنهم، فيندفعون وراءه؛ تلبية لرغبات القرّاء، والأفكار الشائعة في المجتمع؛ مثلهم مثل أية حالة وظاهرة اجتماعية أولاً وثقافية ثانياً، وتغدو تلك المجلة لسان الحال ذلك الواقع، وتفقد قدرتها على تقديم الإبداع، وتعجز في أخذ مكان الريادة؛ لتقوده، وتؤثر فيه، وتتحوّل من مؤثّر في الأحداث إلى متأثر بها؛ من أجل إرضاء الذوق العام؛ والذي يركز على جانب بعينه،

كالمواد التاريخية، أو النفسية، أو المواد التي تركز على مرحلة معينة؛ مثلاً تغطية أحداث ثورةٍ ما، والانكفاء عليها وحدها، ومحاولة الإحاطة بها من كل جانب، مع أنه ربما يكون هذا الحدث الاجتماعي، أو هذه الظاهرة الثقافية ليست بجديدة على مر التاريخ الإنساني، ولكن، وبما أن جميع الوسائل تتجه نحوها؛ فالأحرى بالمجلة أيضاً أن تركز عليها، وتحاول الإحاطة بها، وتقديمها إلى الجمهور؛ من منطلق التماهي مع الواقع، وما يجري فيه من أحداث جديدة؛ ترضي ذائقة الجمهور، وتجعلهم يقبلون عليها، لأنها افتراضاً تغدو المعبّر الأفضل عن المرحلة، وتقع في معضلة يصعب عليها أن تتخلص منها؛ ألا وهي مسايرة الذوق العام والحدث، والموت بانتهاء الحدث، والموضوع الكبير الذي كان سائداً في الوسط الثقافي والاجتماعي؛ فتفقد بذلك أسباب وجودها، وتعجز عن الاستمرار؛ لافتقادها أساساً وجوهراً إلى الإبداع والتجديد، وبذلك يكون التوقّف عن العمل مصيرها؛ لأنها تحمل بذرة موتها مع نشوئها، وربما تعجز عن المداومة إلا فترة قصيرة؛ تولد بولادة الحدث، وتموت بموته، ولا يكون الهدف منها الاستمرار؛ بقدر ما يكون التماهي مع حالة طارئة، وتساهم هي أيضاً في تغيير المسار الحقيقي والصحيح للثقافة، والذي من المفترض أن تسير عليه، وتستمر تحت أي ظرف كان، دون أن تتأثر به، بل وتحمل على عاتقها مهمة تخليص الثقافة مما علق بها من علل، وأصابها من تخلف.

❞ استطاعت المجلات أن تقوم بدور كبير في هذا المجال، لأن الضرورة تفترض وضع الثقافة في متناول الجميع، وهذا ما يستدعي القيام بكافة الخطوات، وتوفير كافة الوسائل التي تساعد على ذلك ❝


توقّف المجلات عن الصدور
تنوع أصناف التجربة الإنسانية يخلق أشكالاً مختلفة من الوعي الاجتماعي، وارتباط الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي ليس ارتباطاً عفوياً فحسب، تتحد أشكاله بالنشاط الهادف إلى خلقه، وتدوينه، وتقويمه وتربيته، ودفعه نحو أطر أكثر جمالاً من ذي قبل، وهذا بالطبع لا يتأتى إلا من خلال القيام بأي عمل من شأنه تطوير الثقافة التي تأتي مع الوعي، وتكون محصلة له، وإنتاج ما يمكّنه من أداء واجبه على أكمل وجه؛ ولذلك يبذل المثقّفون والكتّاب كل جهودهم في سبيل ذلك، ويقع اختيارهم على مسارب شتى؛ تسهّل أمامهم عملية الانتقال نحو مجتمع مثقّف؛ يعي أبعاد المسائل الثقافية، ويدرك الواقع المحيط به، ومن ضمن هذه المسارب يقومون بإصدار مجلات تساعدهم على بلوغ الهدف، ويضعون كل إمكاناتهم فيها، وآمالهم أيضاً؛ رغبة في إحداث نوع من التغيير في روتين الثقافة الشائعة في المجتمع؛ من منظورهم، ورفد المجتمع بوسيلة جديدة تساعد على نشر ثقافة أشمل، وأكثر تماهياً معها، ومع كل ما يحدث فيه، ولكن سوء التخطيط المسبق، وعدم التنبّه إلى ما قد يعيق جهدهم هذا في المستقبل؛ يجعل من مجلتهم مجلة آنية، ووقتية؛ تضيع معها غاياتهم التي تكونت معها، وتذهب دون جدوى، والملاحظ في هذا المجال توقف الكثير من المجلات عن الإصدار لظروف كثيرة، وتأتي في مقدمتها الظرف المادي، أو الدعم والتمويل اللازمان لها كمشروع مستقبل حياتي؛ يضعه القائمون عليه، ويحاولون كل جهدهم للاستمرار في إصدارها، وخاصة في المراحل الأولى.
المتتبع لتاريخ المجلات يقف على هذا الأمر بشكل جيد، فيجد توقف بعض المجلات عن الصدور، وخاصة من الأعداد الأولى، ولا يكاد يتجاوز عمر بعضها سنة؛ غالباً يرجع ذلك للجهة المموّلة، وقد يكون السبب في سوء التخطيط المسبق، أو عدم القدرة على استقطاب الكتّاب للمساهمة فيها، وتوفير المواد اللازمة، أو الانكفاء على الكتّاب المحليين؛ دون الاستعانة بعناصر جديدة من خارج دائرة الوسط الثقافي والاجتماعي المحلي.

مقالات ذات صله