نحن وآليات تسويق المنتج الثقافي، أيّة علاقة؟

نصر سامي

المنتج الثّقافي، والصناعة الثقافية، مصطلحان مزدوجا الدلالة حسب تعريف اليونسكو. فهما منتجان حاملان للهويّة، مشبعان بالقيم، ومليئان بالدلالات، وهما أيضاً عاملا نماء اقتصادي واجتماعي. والدلالتان الأولى والثّانية يشتغلان معاً، في الغالب بوعي وبغير وعي، وينبغي على الدّولة صونهما لما فيه خير التنوّع الثّقافي، بتشجيع قيام صناعات ثقافية قادرة على الثّبات محليّاً ودوليّاً. وللمصطلحين ارتباط وثيق بمجمل التحدّيات التّي تطرأ على مجتمعنا على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، ولذلك احتيج إلى الإبداع الثقافي، وإلى فكر المبادرة، ورؤى التغيير.


ولكنّ المنتج الثقافي المحلّي، أيّاً كان نوعه، يظلّ منتجاً محاصراً بمشاكل كثيرة، لعلّ أخطرها صعوبة التّسويق إن لم نقل استحالته في عالم متحوّل، قائم على منافسة غير متكافئة. وتعاني أغلب المؤسسات الحكومية والخاصة وجميع مؤسسات الثقافة من الركود التسويقي، ممّا يهدّد ببوار بعض الصّناعات، وإفلاس بعض القائمين عليها، ولقد حاول أغلب منتجي الثقافة ومصنعيها أن يتغلّبوا على صعوبات التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر محرّكات البحث، لكنّها تظلّ محاولات دون أثر فعلي. ويحضرني هنا مثال: صناعة الكتاب التونسي الذّي يفتقد لسياسات تسويقيّة جدّية، ممّا جعل حضوره على المستوى العربي محدوداً جداً، رغم بروز أسماء كثيرة في الآونة الأخيرة في العالم العربي وفوزها بأهمّ الجوائز العربية في النقد والرواية،

عملت بعض الأنظمة في المجتمعات الغربية على تجنيد كتاب وفنانين وشعراء وفلاسفة لتسويق سياساتها، ولقد شكّل هؤلاء جبهات غير قابلة للاختراق ضدّ العدوّ في المعسكر الآخر، وكان هذا الأمر دليلاً لا يقبل النقاش على أهمّية سياسات التسويق الثقافي في فترات الحرب الباردة

وكذلك المنتج الغنائي الذّي بقي منعزلاً، لا يكاد يسمع إلاّ في المناسبات الرسمية، ناهيك عن المنتجات الثقافية التراثية بأنواعها، والصناعات المرتبطة بالثقافة. يبدو موضوع التسويق في ارتباطه بمنتجات الثقافة التونسية حالة يائسة، ولا تعد بتقدّم في قادم الأيّام. ولا يبعد حال الصناعة الثقافية في أغلب البلدان العربية عن الحالة التونسية. ويعود الفشل إلى غياب سياسات التسويق غياباً كلّياً، أو نقصها، أو ارتجاليتها الواضحة. في حين أنّ العالم كلّه يتّجه إلى إيلاء سياسات التّسويق الأهمّية اللاّئقة بها. إذ انتقلت إلى أرضية جديدة تقطع مع القديم، تقوم بها مؤسّسات وتكرّس لها ميزانيات، ويوظّف بها خبراء من جميع ميادين المعرفة المتعلّقة بالمنتج، مع الاهتمام بدراسة المجتمع الذّي تعيش فيه العيّنة التّي تتوجّه لها الشركة بالمنتج، للعمل على تغييرها بناء على دراسة حالتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. ومن المسلّم به الابتعاد في الخطاب التسويقي عن المواعظ والتعاليم والنصح والإرشاد.


عملت بعض الأنظمة في المجتمعات الغربية على تجنيد كتاب وفنانين وشعراء وفلاسفة لتسويق سياساتها، ولقد شكّل هؤلاء جبهات غير قابلة للاختراق ضدّ العدوّ في المعسكر الآخر، وكان هذا الأمر دليلاً لا يقبل النقاش على أهمّية سياسات التسويق الثقافي في فترات الحرب الباردة. ولقد دقّق إدوارد سعيد هذا الأمر بتناوله للمثقّف في زمننا، فأثبت أنّ المهنية والموضوعية عند البعض تقتضي وضع المعايير الأخلاقية والعدالة جانباً، ويتحدّث بوضوح عن نماذج من المثقفين الذّين توظّفهم المؤسّسة لخدمة مصالحها، فالمثقّف الموظّف في معهد أبحاث تموّله شركات الأسلحة والطاقة ستكون نتائجه لفائدة هذه الشركات. ويسوّق هؤلاء باعتبارهم الأكثر خبرة وإبداعاً وعقلانية وإنسانية، وذلك ضمن خطط تسويقية شديدة التطوّر تخدم بالأساس المنتوج المقترح بيعه.


السلع الثقافية هي قبل أن تكون ثقافة هي سلعة، ولا بدّ لها من سياسات تسويقيّة باعتبارها منتوجاً قابلاً للاستهلاك جهوياً ومحلياً ووطنياً وعالمياً. ولكنّ عديد الأسئلة تطرح هنا: هل هذا المنتوج قابل للتسويق أصلاً؟ وحين أريد تسويقه، أسوّقه لمن؟ وفي أيّ وسط؟ وكيف أقوم بتسويقه؟ وما الأهداف التّي أرمي إليها؟ وهل عمليات التسويق هذه هي جزء من كلفة المنتج؟
في منتصف القرن الماضي كنا نرى صورة بعض المشاهير وهي تحمل بين أصابعها سيجارة من ماركة معينة، أو عطراً، أو غيره من المنتجات، ولكن ذلك قلّ اليوم بصورة لافتة، وأصبح المسوّق الجيّد هو الأكثر قدرة على الاختفاء، وأصبحت السلعة متوفرة في الهواء نفسه.

إنّ حكاية الإمبراطور العاري مفيدة هنا، إذ استطاع عبر التّسويق القوّي أنّ يقنع النّاس أنّه كاسٍ، وأن ثوبه اللامرئي من بدائع الخياطة في بلده. حين تشتغل الآلة الدعائيّة، وحين تمارس دعايتها بتركيز، فإنّ المنتج يصل ويشترى ويصبح ضرورياً. يقول بعض المصنّعين الجدد: «إنّني أنفق دولاراً واحداً على المنتج، وأضع ميزانية مفتوحة لتسويقه». ولكن أين من هذا القول فعل العرب؟ هناك الآن حروب خفيّة، تنافسيّة، ومناطق نفوذ تمتدّ وتمتدّ، تتشكّل حولها أذرع قويّة، توظّف أكثر التقانات والخبرات لتنشئ من التسويق علماً فعالاً ليس للسلع فقط، بل للأفكار والسياسات والمواقف والشخصيات والدول، ومواجهة الرّأي العام والمناوئين. ولقد تمّ في أوروبا وأمريكا إيلاء الجانب الثقافي أهمّية كبيرة ضمن هذه الخطط، لكنّ العالم العربي لا يزال تقليديّاً، في مسألة التّسويق، ولا تزال أغلب السياسات العربية سياسات قاصرة على ردم الهوّة التسويقيّة مع نظيرتها الغربية. إنّنا نتعرّض إلى غزو تسويقيّ مركّز، نحن فيه مجرد سوق كبير مفتوح، غير محمي، وماله سائب، وليس فيه سياسات للمنع ولا للمراقبة، ولا يبدو أنّ هناك أيّة خطط نظاميّة لتغيير هذا الوضع في المجال المنظور.

نحن خارج الحرب تماماً! والأخطر أنّ منظّري التسويق يفكّرون لنا، ليس باعتبارنا منتجين، بل باعتبارنا سوقاً، لغته العربية، وتعليمه كذا، وتوجّهاته كذا، ومذاهبة كذا، ويحبّ كذا، ويكره كذا. تتمّ سلعنة رغباتنا، وتُنتج لنا سلع، وتقع تربيتنا من جديد على أنّ تلك السلع ضرورية، وأنّ غيرها متخلّف وغير صحّي وغير إنساني، ويصبح بفضل التسويق المنتج ثانوياً، فالأولوية للوهم. «أنت لا تشتري حذاء، بل تشتري الوهم في ساقين جميلتين مثل ساقي العارضة!». «وأنت لا تشتري مواد تجميل، بل تشتري الوهم في امتلاك جمال عارضة المنتج!». «وأنت لا تشتري سموكن، بل تشتري الوهم في أن تصبح مودرن!». في هذه السّوق نحن ضحايا، هذه هي حقيقة الأمر. تتغيّر حياتنا، وتقلب المفاهيم تماماً بواسطة التّسويق الذّي لا يهدأ أبداً ولا يتعب ويشتغل على مدار السّاعة. وهنا يحضرني مثال. القهوة بحليب وهي منتج محلّي بسيط لا يتجاوز في عُمان 100 بيسة في أغلب المحلات، أي ما يعادل واحداً على خمسة من قيمة الدولار، نفس هذه القهوة تتجاوز في أيّ محلّ أوروبي 2 ريال عُماني أي ما يقارب 7 دولارات. وثمة مثال آخر وهو أن برميل البترول ثمنه يقارب 50 ريالاً، وهو في حدود 210 لترات، بينما قارورة العطر الأوروبي ذات العبوة 100 سنتلتر تتجاوز الخمسين ريالاً. هذا يعني أنّ الفجوة تتّسع، وتتفاقم، وأنّ علينا اليوم قبل الغد أن نهتمّ بهذا العلم اهتماماً لو تمّ فإنّه قادر على تغييرات جميع موازناتنا.

أمّا في الميدان الثّقافي فإنّ الحرب خاسرة تماماً. وبضاعتنا الثقافية راكدة على المستوى الدولي ركوداً واضحاً. فلا رواياتنا لها وجود ضمن دور النّشر الكبرى العالمية، ولا شعرنا متوفر توفراً حقيقياً في لغات أخرى، وليس ضمن خططنا أن ننتج صورتنا السينمائية ليعرفها العالم. وفي المرات القليلة التي رآنا العالم كانت الصّورة غربيّة والرؤية غربية والمنتج والمخرج والبطل غربيين! ونحن محاربون حتّى في مجالنا إذ تمّت تربيتنا عبر الماتراكاج التسويقي على أنّ الأفضل هو الآخر، وصنعت أساطير حقيقيّة حول المثقّفين الغربيين روائيين ومطربين وممثلين ومخرجين، تجعل رفضها نوعاً من التخلّف. فمن يقول اليوم أنّ روايات غابرييل غارسيا ماركيز مملّة، وغير قابلة للقراءة؟ ومن يقدر على التصريح بأنّ رواية الشيخ والبحر محاوراتها مملّة وغبيّة؟ ومن يجرؤ على القول إنَّ جميع أفلام غزو الفضاء الأمريكي هي مجرّد تفاهات مصنوعة في الأستوديوهات، ولا جمالية فيها؟ ومن يقول إن الشعر الإيطالي الحديث في أغلب تجاربه شعر بسيط بل فقير جمالياً، ولا يضاهي تجارب الشّعر الحديث العربي أو الفارسي؟
ليس لدينا سياسات تسويق، وهذا ينعكس على جميع مجالات حياتنا. بل إنّنا نتعرّض يوميّاً للغزو، دون أن يفكّر أحد في حمايتنا من وحش العولمة. ولقد تمّ القذف بنا في دائرة التطوّر دون أن نتطوّر فعليّاً، وتمّ إعدادنا لنتابع الآخر، الذّي يظلّ يطوّر باستمرار سياساته التسويقيّة ليبتلعنا تماماً.

مقالات ذات صله