الثقافة والمحتوى الرقمي تحديات ومعايير

قبل الانتشار الواسع للتقنية، كان النشر – بمختلف مجالاته – ينحصر في الصحف والمجلات والدوريات المحكّمة، ضمن ضوابط ومعايير صارمة، لا مجال فيها للتساهل، أو التهاون، بيد أن الوضع تغير منذ دخول الإنترنت، وبشكل تدريجي أصبح فضاء النشر متاحاً للجميع دون قيد أو شرط؛ فالخيارات واسعة ومتعددة، و»أضعفُ الإيمان» أن العاجز عن النشر، يستطيع فتح مدونةٍ إلكترونية، أو شراء موقعٍ ينشرُ بهِ ما يشاء..، وهكذا أصبح الفضاء الأزرق – على ما فيه من حرية النشر- ضاراً من حيث المحتوى الذي تراجعَ، وضاعَت من خلالهِ «قيمةُ النشر» بحد ذاتها.

ولأن للحقيقة وجهين، فإن «الفضاء الأزرق»، على علاتهِ، ساهمَ في دعمِ تجاربَ شابة في التعبير عن رأيها، فوجدت مساحةً مكنتها من الانطلاق نحو تفاعلٍ أفضل، وأوسع مع الجمهور، الأمر الذي شكل فرصة حقيقية لاكتشافِ هذه الطاقات والقدرات.

لجأت الصحف العربية – غالباً – إلى «تقليص المحتوى الثقافي» واستبدالهُ بـ»المنوعات» ضمن ما يعرف بـ«اللايف ستايل»، وذلك في سبيل كسب ودّ الجمهور الذي يبحثُ عن الإثارة والتشويق ومواد المعرفة العامة، في حين تذهب المواد «الثقيلة والدسمة» إلى المجلات، والدوريات المتخصصة

خلل في المعايير

وبنظرة فاحصة، نجد أن الاستسهال وسرعة النشر تكاد تلازم المحتوى الرقمي، دون وجود معايير واضحة تحدد العلاقة بين الكاتب ووجهة النشر، مع وجود استثناءات لهذه القاعدة تتمثل في مواقع إلكترونية رصينة وجادة تسبح عكس التيار العام الجارف.

في الأمس القريب، أي قبل ظهور الإنترنت في العالم العربي، كان النشر يمرُ في مجموعة حواجز، تعمل على «فلترة» المواد المرسلة للنشر، فتتفحصها أكثر من عين، وأحياناً تُشكل لجنة للبت في مصير المواد المرسلة، إما إلى النشر، أو الرفض؛ لأن جودة المحتوى تعدُ معياراً أساسيًّا في المنافسةِ والانتشار، لكن الأمر انقلبَ في «عصر التقنية»، فأصبحَ المعيار يتمثلُ في «القراءات الرقمية»، ومنها إحصائيات «جوجل أنليتكس» Google Analytics .


ولأن الصورة على هذا النحو، فقد لجأت الصحف العربية – غالباً – إلى «تقليص المحتوى الثقافي» واستبدالهُ بـ»المنوعات» ضمن ما يعرف بـ»اللايف ستايل»، وذلك في سبيل كسب ودّ الجمهور الذي يبحثُ عن الإثارة والتشويق ومواد المعرفة العامة، في حين تذهب المواد «الثقيلة والدسمة» إلى المجلات، والدوريات المتخصصة، إذ إنها ما تزال – غالباً- تحافظ على مكانتها كجهة ناشرة، تستطيع تمييز الغث من السمين، وفق معايير وضوابط تستند إلى سياسة تحرير محددة.
وبعيداً عن النصوص الأدبية – وما أكثرها وأقل جودتها – نجد أن المحتوى الثقافي الإلكتروني يجنح إلى المنوعات الخفيفة والظريفة وأخبار التشويق والإثارة، استناداً إلى معيار الطلب في زيادة معدلات القراءة عبر الإنترنت، ما يعني تصنيف أفضل إلكترونياً، وإعلانات أكثر، أو مردود مالي أعلى على كل نقرة أو زيارة.
إلا أن لهذا المحتوى استثناءات، حاولت وتحاول أن تجد لنفسها طريقاً مغايراً، ومختلفاً، يتجسدُ في تقديمِ ثقافة نوعية ورصينة، ويمكن الإشارة هنا إلى مواقع وازنة مثل «كيكا» و»جهة الشعر» و»ضفة ثالثة» وموقع قاب قوسين للكاتب محمود الريماوي و»معابر» و»ثقافات»، والأخير توقف – بحسب مؤسسه الروائي الأردني يحيى القيسي– لـ»أسباب مالية، بعد 6 سنوات على انطلاقه»، وهي ذات الأسباب التي دعت من قبل مؤسس «كيكا» الكاتب العراقي صموئيل شمعون إلى الإعلان عن توقفهِ قبل أن يعود عن قرارهِ ويستمر في النشر.

تراجع الورقي

استناداً إلى التجربة، وبعد معاينة الواقع، نجدُ أن تراجع الورقي ارتبطَ بعدة عوامل، من بينها وجود أزمات اقتصادية ترتبط بانخفاض أسعار النفط، واشتعال الأزمات والحروب، وتراجع الإعلانات ورقياً، والأهم من ذلك، ظهور المحتوى الإلكتروني الذي استباحَ الوقت والنشر معاً؛ فلا داعيَ للانتظار 24 ساعة لقراءة حوار، أو مقالةٍ، ما دامَ النشر، أصبحَ آنيًّا، يبث مباشرة بعد تحريرهِ في الموقع، وأحياناً ينشر دون تحرير من باب خفض التكاليف والسرعة في مخاطبة الجمهور!.
وضمن هذا السياق، توجهت إحدى الصحف الخليجية نحو التقشف، كنتيجة طبيعية لضمور الإعلانات، فعمدت إلى «إعدام القسم الثقافي»، وإلغاء الملحق الأسبوعي، وتقليص صفحات الثقافة من ثماني صفحات إلى صفحتين، وتكاد تكون هذه العملية، مستنسخة في صحف عربية عديدة، لجأت في أولى خطواتها نحو بتر الثقافة، باعتبار أن شؤونها تنحصر بين نخبة لا يشكلون السواد الأعظم من القراء، وأن قراراً كهذا يأتي تلبيةً لرغبة الجمهور، رغمَ أن خطوة كهذه لم تأتِ نتيجة دراسة، وإنما في إطار فرضية وتفكير مسبق تجاه المحتوى الثقافي.
ربما الثابت الوحيد في المعادلة الثقافية – ورقيًّا – تجسد في المجلات، التي حافظت على حضورها، دون أن تتنكر لواقع التقنية اليوم، فعمدت إلى تقديم محتواها الورقي رقميًّا بما يخدمها من حيث الانتشار.

توصية

ربما، من الضروري الإشارة إلى أن المحتوى الإلكتروني الثقافي، لم يستفد من التقنية على النحو اللازم، وإنما نقل جزءاً كبيراً من تجربة الورقي إلى الإلكتروني من حيث توظيف بعض «آليات النشر»، دون الاستفادة عموماً من أدوات العالم الرقمي، في توظيف الفيديو، والإنفوجرافك، وتصميم وإخراج المحتوى بصرياً ليكونَ مبهراً وأكثر جمالية وجاذبية من كونه مجرد نص ثقافي، أو أدبي معروض للقراءة، ناهيك عن أن بعض النخب الثقافية تفتقر إلى المعرفة الكافية بالإنترنت، فلا تستخدمهُ إلا في حدود «إرسال بريد إلكتروني»، أو التغريد وكتابة البوستات.


وخلافاً للنخبة ممن قضى عمراً طويلاً بين الورق، أعتقد أن المحاولات القادمة من جيل الشباب، الأكثر تفاعلاً مع الفضاء الأزرق، تعطي للثقافة – ضمن البعد الرقمي –أهمية وتكسبها هوية من حيث تقديمها في قوالب ومحتوى إبداعيّ، يسعى – مثلاً – إلى سرد الرواية عبر تجسيدها بصريًّا في لوحات من الفن التشكيلي، أو ترجمتها حركياً من خلال «الأنميشن»، أو إيحائيًّا بواسطة مجموعة من الرموز والأشكال الدالة، وفي هذا المثال، تحولت الثقافة من الإبداع الفردي الذي يقوم على إنتاج النص بشكل منفرد، إلى التفاعل الجماعي بين عدة عناصر إبداعية، ما يعني أن العملية لا تتوقف عند إنتاج النص، وإنما توليفهِ بصرياً ليكون أكثر إبهاراً..، وهنا يمكن التحدي أمام نخبة المثقفين؛ كيف يمكن الخروج من «صالة التحرير» و«الكتابة المنفردة» إلى فضاء أوسعَ يتطلب تفاعلاً أكبر مع التقنية؟.

مقالات ذات صله