المكتبة الإلكترونية والتجارب العربية

وليد سبول

منذ اختراع الكمبيوتر أو الحاسوب نشأت استخدامات عدة لهذا الجهاز الغريب العجيب القادر على إجراء العمليات الحسابية بسرعة خيالية، وما زال هذا العلم يتطور إلى مجالات رحبة لا يستطيع الفكر والعقل البشري استيعاب مستقبلها وما يمكن أن يقدمه هذا الجهاز للعلم وللحضارة الإنسانية.


عرف الإنسان القدرة الاستيعابية لهذا الجهاز وقدرته على التخزين ابتداء من البطاقات المثقوبة وصولاً إلى الأشرطة الممغنطة، ثم ظهور برنامج ( الويندوز) على يدي «بيل غيتس» ورفاقه وتأسيسه لشركة «مايكروسوفت» واختراعها لبرنامج ( أوفيس Office ) ببرامجه المختلفة ( وورد وإكسل وباور بوينت وغيرها) وظهور برامج كثيرة للكتابة، ثم الوصول إلى إمكانات الكتابة والتخزين بمختلف اللغات العالمية، أصبح من الممكن تخزين الكتب والوثائق وحفظها بمختلف أنواعها، وتعدد طرق وبرامج الحفظ. ثم ظهر الإنترنت كأداة تكنولوجية مخابراتية، انتشرت لتصبح أداة مدنية عامة متاحة للجميع.


من هنا ظهرت الحاجة لإنشاء المكتبات الإلكترونية التي أصبح بالإمكان من خلالها الوصول إلى المعلومة في غاية اليسر والبساطة. بدأت فكرة المكتبات الإلكترونية في عام 1971 على يد شاب يدعى مايكل هارت واختار له اسم «غوتنبرغ» على اسم مخترع ( الطباعة )، ثم ظهر مشروع (واير تاب) وهو موقع يستخدم إلى اليوم تقنية (غوفر) لتداول الملفات عبر الشبكة العنكبوتية، وفي عام 1993 ظهر شاب اسمه جون مارك أوكربلوم كان يعمل مديراً لموقع الإنترنت الخاص بجامعة «كارنيغي ميلون» وبدأ بعمل فهرس يضم وصلات إلى جميع الكتب الإلكترونية الموجودة على الشبكة العنكبوتية. فالمكتبة الإلكترونية وسيلة متطورة لتحويل الكتب والوثائق إلى الشكل الإلكتروني بأشكاله المتعددة، فإما أن تكون على شكل HTML وهو الشكل الذي يظهر على المواقع الإلكترونية كمادة محررة، أو بصورة PDF وهو شكل من أشكال الصور ولكن بلغة مختلفة متطورة، أو على شكل ملف ( وورد Word )، كذلك من أشكال الحفظ إما الأفلام الوثائقية أو الملفات الصوتية المسجلة بالصوت فقط.

البشرية ما زالت محتجزة في بطون الكتب الورقية، إلا أن هؤلاء الرواد كانوا غالباً من رجال الأعمال التقليديين الذين أرادوا استغلال الفرص التجارية التي يمكن للمكتبات الرقمية أن توفرها لهم، فبدأوا بإنشاء المكتبات الرقمية التي استطاعت توفير الكتب والوثائق للباحثين بسهولة ويسر. إلا أن جميع هذه المشاريع كانت غربية بحتة ولم يظهر من العرب من دخل هذا الميدان إلا في مراحل متأخرة، فظهرت المكتبات الإلكترونية العربية التجارية، مما خلق صعوبة للوصول إلى هذه المكتبات لغير القادرين مادياً. ومع ذلك ظهرت بعض الجهات خاصة الدينية التي عملت على توفير الكتب الدينية والتراثية مجاناً، ثم تطوع بعض المتطفلين ( الهاكرز) على توفير الكتب مجاناً ونشروا كثيراً منها.

❞ وفي غياب الدور الحكومي والإدراك الرسمي لأهمية توفير الكتب مجاناً لمن يرغب، فإن الجامعات كما يبدو هي الأولى بالعمل على توفير هذه الكتب. ومما يجعل هذا الدور ممكناً أكثر هو إمكانية ربط المكتبات الإلكترونية بعضها ببعض ❝


إن نشر الكتب إلكترونياً خاصة الحديث منها له بعض المعوقات، ومن أهمها وأولها حقوق الكاتب المادية، لذلك لجأ بعض أصحاب هذه المواقع لشراء حقوق التوزيع بإحدى الصورتين، فإما شراء الحق بالكامل مقابل مبلغ مقطوع، أو الدفع إلى المؤلف اعتماداً على عدد مرات التنزيل. ومن المعوقات صعوبة الفهرسة والتبويب، فبالرغم من وجود المتخصصين في علوم المكتبات إلا أنه ليس من السهل العثور على فهرس متنوع يجعل من البحث داخل المكتبة ميسراً اعتماداً على موضوع الكتاب، ومن أهم المكتبات الإلكترونية الناجحة مكتبة قطر الرقمية والتي تتيح للمستخدم الدخول مجانا، حيث تشتمل على نصف مليون وثيقة تاريخية مرتبطة بتاريخ قطر الحديث والعلوم العربية الإسلامية، ومكتبة يلكوم وهي من أكبر المكتبات الرقمية من حيث عدد المخطوطات العربيو الإسلامية التي تقتنيها، حيث تتيح الوصول إلى 12 ألف مخطوطة و4000 آلاف كتاب مطبوع بأربعين لغة مختلفة، ومن التجارب الناحجة دار الكتب والوثائق العراقية وتشتمل على 1500 مادة من كتب ومجلات ومخطوطات نادرة، إضافة الى مكتبة الشرق الأوسط العربية في جامعة «ييل» والمكتبة الرقمية العالمية وهي بسبع لغات منها العربية وكانت فكرتها من جيمس ييلختون أمين مكتبة الكونغرس في العام 2005 وتكاد تختص في حفظ التراث العالمي، وهناك أيضاً أرشيف المجلات الأدبية والثقافية لشركة صخر وغيرها.
وفي غياب الدور الحكومي والإدراك الرسمي لأهمية توفير الكتب مجاناً لمن يرغب، فإن الجامعات كما يبدو هي الأولى بالعمل على توفير هذه الكتب. ومما يجعل هذا الدور ممكناً أكثر هو إمكانية ربط المكتبات الإلكترونية بعضها ببعض، مما يجعل البحث أوسع وأشمل، بالرغم من أنَّ الواقع غير ذلك، فعلى سبيل المثال فإن جامعة الأزهر ما تزال تعمل على إنشاء مكتبة إلكترونية، وحالها كحال غالبية الجامعات العربية.
إن توفير وسائل إلكترونية داخل المكتبات مثل عملية الترجمة الفورية للنصوص إلى مختلف اللغات العالمية، وإمكانية الرد والتعليق وحفظ الملاحظات، وكذلك سهولة الرجوع إلى المراجع من خلال الروابط الإلكترونية، وأيضاً تخصص المكتبات الإلكترونية في مواضيع محددة كالعلوم الطبية أو الرياضية وغيرها من العلوم والآداب. ومن أهم الوسائل سهولة التنزيل على الحواسيب وعلى أجهزة الهواتف الذكية والحفظ بأقل مساحة ممكنة. كذلك فإن البحث ( الذكي ) له أهمية كبيرة في الاعتماد على المكتبات الإلكترونية فهو يوفر إمكانية البحث بلغة ما فيتم البحث عما يرادفها في اللغات الأخرى، ثم ترجمة النتيجة بسرعة وسهولة بلغة صحيحة وسليمة إلى لغة الباحث. ومن أهم الأمور توفير الربط الإلكتروني بين مواقع المكتبات العربية بحيث يستفيد الباحث، وتسهيل الطرق لإيجاد ما يبحث عنه لدى المكتبات الأخرى.


ففي البلدان العربية يوجد عدد قليل من الجهات التي تطوعت لتأسيس هذه المكتبات، ففي الأردن مثلاً توجد مكتبة إلكترونية في الجامعة الأردنية والجامعة الهاشمية، وكذلك في معهد الإعلام الأردني.
ويمتاز مشروع مكتبة (الوراق alwaraq.net) بإمكانيات بحث مميزة إلا أنه متخصص في جمع الكتب التراثية العربية.
وكذلك المكتبة الرقمية العربية، وهي نافذة بسبعة لغات وتحتوي على ما يقارب 11000 كتاب، ودار الكتب والوثائق العراقية.
وفي الإمارات العربية المتحدة اهتمَّ معهد الإمارات للأبحاث والدراسات برقمنة جميع نتاجه العلمي، إلا أنه جعل الوصول إلى هذه المكتبة محصوراً في العاملين في المركز.


وهناك مشاريع خاصة تحاول تقديم أفكار تسهم في تضميد الجانب المعرفي عند الباحثين، ومن أهم المشاريع، ذاكرة مصر المعاصرة، وهو موقع معني بالتاريخ المصري، ومشروع مكتبة «البوابة» ويحتوي على كتب بسبع لغات، ومشروع مكتبة «المنارة العالمية» وهي مكتبة صوتية مسموعة.
وكذلك مكتبة المسجد النبوي الشريف التي عملت على جمع الكتب الإسلامية ووضعها في صيغة إلكترونية متاحة للباحثين والرواد، وموقع المكتبة العربية الصينية الذي يعمل على الترجمة الفورية بين اللغتين العربية والصينية، ومكتبة قطر الرقمية وتضم أكثر من نصف مليون وثيقة تاريخية مرتبطة بتاريخ قطر الحديث ومنطقة الخليج العربي والعلوم العربية والإسلامية، ومكتبة ويلكوم للمخطوطات وتحتوي على ما يقارب عشرين ألف مخطوطة وكتاب بثلاث وأربعين لغة مختلفة، ومكتبة الشرق الأوسط العربية في جامعة «ييل» وتخصصت في الصحف والمجلات العربية.
وكذلك أرشيف المجلات الثقافية والأدبية لشركة صخر، ومكتبة هنداوي وتحتوي ما يقارب ألف كتاب، ومكتبة الأقصى وتحتوي نسخاً رقمية من الدوريات الموجودة في مكتبة المسجد الأقصى، إلا أن خيارات البحث في الموقع ليست متطورة؛ إذ على الباحث تصفح المضمون الهائل للوصول إلى ما يريد، والمكتبة العربية العالمية التابعة لمنظمة اليونسكو إضافة إلى تجارب ومبادرات عربية أخرى.
مما سبق يبدو جلياً أن مجموع الكتب الرقمية في اللغة العربية يكاد لا يذكر مقارنة بالكتب العالمية، وإن وجدت فموجوداتها محصورة على كتب التراث والدين، أما الكتب الحديثة فما تزال حبيسة الأوراق والمطابع التقليدية، ويبدو أن الفجوة تزداد اتساعاً بين ما يجري في العالم المتحضر ودول العوالم الثالث.

مقالات ذات صله