ضعف نظام الحوكمة في مجال الثقافة

د.خالد مقرن الخلف

الإدارة السليمة للشركات تعتمد على التزام السوق الخارجية والتشريعات، بالإضافة إلى ثقافة صحية تشمل ضمانات للسياسات والعمليات.
ويدور كثير من النقاش حول حوكمة الجانب الثقافي وما له وما عليه، ويتركز على السياسة التشريعية، لردع الأنشطة الاحتيالية، وسياسة الشفافية التي تضلل المديرين التنفيذيين لعلاج الأعراض وليس الأسباب.
فنظام الحوكمة الثقافية هو نظام لتنظيم وتشغيل والسيطرة على الجهة الثقافية، بهدف تحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل، لإرضاء المستفيدين من الخدمة الثقافية، والامتثال للمتطلبات القانونية والتنظيمية، فضلاً عن الوفاء بالمتطلبات البيئية المحلية واحتياجات المجتمع.

الحوكمة عبر التاريخ:

في القرن التاسع عشر، ساهمت قوانين المؤسسة الحكومية في تعزيز حقوق مجالس إدارات الشركات في أن تحكم دون موافقة إجماعية من المساهمين، في مقابل الحصول على مزايا قانونية مثل حقوق التقييم، لجعل حوكمة الشركات أكثر كفاءة. ومنذ ذلك الوقت، أُدرجت معظم الشركات الكبيرة للتداول العام في الولايات المتحدة تحت إدارة قانون الشركات القانون، الولايات المتحدة تحول ثروة بشكل متزايد إلى أوراق مالية في كيانات الشركات والمؤسسات المختلفة، وحقوق المساهمين وأصحاب الفردية على نحو متزايد. وأدت مخاوف من المساهمين إلى دفع الإدارة وخسائر الأسهم دورياً إلى مزيد من الدعوات المتكررة لإجراء إصلاحات وحوكمة الشركات.

استعمل مصطلح ثقافة المنظمة لأول مرة من طرف الصحافة المتخصصة سنة 1980، وكان ذلك في المجلة الاقتصادية الأمريكية BUSINESS، كما أدرجت فيما بعد مجلة Fortu ركناً خاصاً تحت عنوان Corporate Culture

وفي القرن العشرين في الفترة التي أعقبت مباشرة وول ستريت عام 1929 فكر علماء القانون مثل أدولف أوغسطس، وادوين دود، وجيم غاردينر في وسائل لدور متغير لشركة حديثة في المجتمع، وفي وسائل «دراسة» الشركة الحديثة والملكية الخاصة «(1932، ماكميلان) والتي ما يزال لها تأثير عميق على مفهوم حوكمة الشركات في المناقشات العلمية اليوم.


وتوسعت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال بروز دور الشركات متعددة الجنسيات وشهدت إنشاء الطبقة الإدارية. وتبعاً لذلك، نشر أساتذة مدرسة هارفارد للأعمال دراسات مؤثرة في هذا المجال.

تعرف الحوكمة بأنها : السياسات الداخلية التي تشمل النظام والعمليات والأشخاص، والتي تخدم احتياجات المساهمين وأصحاب المصلحة الآخرين، من خلال توجيه ومراقبة أنشطة إدارة الأعمال الجيدة مع الموضوعية والمساءلة والنزاهة.
ومنذ أواخر عام 1970، ظلت حوكمة الشركات موضع نقاش كبير في الولايات المتحدة وحول العالم. وبذلت جهود واسعة النطاق لإصلاح الحوكمة، وراعت احتياجات ورغبات المساهمين في ممارسة حقوقهم في ملكية الشركات وزيادة قيمة أسهمها، وبالتالي، ثروتها. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، توسعت واجبات مديري الشركات بشكل كبير خارج نطاق المسؤولية القانونية التقليدية من واجب الولاء للمؤسسة ومساهميها.
وفي النصف الأول من 1990، لقيت مسألة إدارة الشركات في الولايات المتحدة انتباهاً كبيراً من الصحافة بسبب طرد الرئيس التنفيذي لشركة آي بي إم، وكوداك، وهانيويل، بواسطة مجالسها. وفي مجلس ولاية كاليفورنيا لموظفي الخدمة العامة ‹نظام التقاعد (CalPERS) أدت موجة من النشاط المؤسسي للمساهمين، باعتبارها وسيلة لضمان قيمة الشركات التي لا يمكن لها أن تتأثر من طبيعة العلاقات الحميمة والخاصة بين الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة .
وفي عام 1997، أثرت الأزمة المالية الآسيوية على اقتصادات تايلاند، واندونيسيا، وكوريا الجنوبية، وماليزيا والفلبين وتضررت من خروج رأس المال الأجنبي بعد انهيار أصول الملكية. وأبرز نقاط الضعف في هذه البلدان عدم وجود آليات لحوكمة اقتصاديات الشركات في المؤسسات.


ضعف الحوكمة الثقافيةومدى تأثيرها على الثقافة والمثقف:

يعتبر نظام الحوكمة الثقافية نظاماً للرقابة والتوجيه على المستوى الثقافي في المؤسسة، ويحدد المسؤوليات والحقوق والعلاقات الناظمة مع جميع الفئات المعنية، ويوضح القواعد والإجراءات اللازمة لاتخاذ القرارات الرشيدة المتعلقة بعمل المنظمات والمؤسسات.
وهو نظام يدعم العدالة والشفافية والمساءلة المؤسسية ويعزز الثقة والمصداقية في بيئة العمل.
وهو نظام يعمل على الموازنة بين المسؤوليات الاستراتيجية والتشغيلية بطريقة منظمة ومدروسة. وتتعلق الحوكمة أيضاً بالقيادة والتأكد من أن المؤسسات والمنظمات تتم إدارتها وتسيير أعمالها بالشكل الفعال والسليم.
ويعد مصطلح الحوكمة من المفاهيم التي عرفت انتشاراً سريعاً في مجال الإدارة، فقد اتفق الباحثون على أن حوكمة المؤسسات تقع ضمن الاستثمارات القادرة على توفير أسباب النجاح للشركات، عن طريق تحقيق قيمة- تشاركية- لمختلف الأطراف التي لها علاقة بالمؤسسة. والتي هي مسؤولية أطراف عديدة، سواء الأطراف الضالعة فيها في الفكر أو في العمل التنفيذي، أو في تشكيل الوعي الارتباطي بها. ومن ثم فارتباط هذه الأطراف بهدف خدمة المصالح العامة يشكل المحور الأساسي للمقاربة الاجتماعية للحوكمة.


بالمقابل وفي ظل التغيرات العالمية التي يشهدها عالم الأعمال اليوم خاصة مع التطور الثقافي والاجتماعي الذي عرفته المجتمعات من جهة، وزيادة نشاط المنظمات غير الحكومية من جهة أخرى، التي فرضت ضغوطاً شديدة على المؤسسة لتعديل سياستها اتجاه أصحاب المصالح، لا يمكن للمؤسسات الاقتصادية أن تستخدم التمييز في عملية خلق القيمة لأطراف معينة على حساب أطراف أخرى بداعي أنها غير مهمة في نظرها، فعالم الأعمال اليوم يفرض على المؤسسات أن تكون أكثر استجابة من السابق في مجال أدائها الاجتماعي، لكون نظرة أصحاب المصالح أخذت أبعاداً جديدة أكثر تعقيداً، نظراً لبروز مفاهيم حديثة ساعدت على خلق بيئة عمل قادرة على التعامل مع التطورات المتسارعة في الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والإدارية عبر أنحاء العالم، وكان من أبرز هذه المفاهيم مفهوم المسؤولية في الحوكمة الثقافية التي أثبتت الحكومات العربية ضعفها في إدارتها والتحكم بها بكل الاتجاهات.

سيادة القانون: تتطلب الحوكمة هياكل قانونية عادلة يتم فرضها بشكل نزيه بحيث تتضمن حماية كاملة لحقوق الإنسان


فالمؤسسات الثقافية إضافة إلى كونها تعاني من عدة مشكلات غالبيتها ذات طبيعة أخلاقية متمحورة حول غياب الثقة، وضعف الشفافية، وانعدام ثقافة تنظيمية خاصة بها… بين الأطراف الداخلية والخارجية أو ما يطلق عليها «الأطراف الآخذة»، تعاني من قصر واضح في الممارسات الثقافية التي لم تتمكن الدولة من مجاراتها ولا السيطرة عليها ولا خلق روح شفافة في التعامل معها، وهي تلك التي تنحصر في علاقة المثقف بالوسط الثقافي ومن حوله من مثقفين.

يعتبر نظام الحوكمة الثقافية نظاماً للرقابة والتوجيه على المستوى الثقافي في المؤسسة، ويحدد المسؤوليات والحقوق والعلاقات الناظمة مع جميع الفئات المعنية، ويوضح القواعد والإجراءات اللازمة لاتخاذ القرارات الرشيدة المتعلقة بعمل المنظمات والمؤسسات

حوكمة الثقافة التنظيمية وضعف الدولة في مجاراتها:

استعمل مصطلح ثقافة المنظمة لأول مرة من طرف الصحافة المتخصصة سنة 1980، وكان ذلك في المجلة الاقتصادية الأمريكية BUSINESS، كما أدرجت فيما بعد مجلة Fortu ركناً خاصاً تحت عنوان Corporate Culture، إلى أن جاء الباحثان (Kennedy& Deal ) سنة1982 بكتاب تحت عنوان: «Corporate Culture» واضعين بذلك اللبنة الأولى لهذا المفهوم.
تتصف الثقافة التنظيمية بمجموعة من الخصائص، نورد أهمها فيما يلي، فهي:

  • عملية مكتسبة؛ أي تكتسب من خلال التفاعل والاحتكاك بين الأفراد في بيئة العمل، وعندما يكتسبها الفرد في المنظمة تصبح جزءاً من سلوكه، ومن خلال الثقافة نستطيع توقع سلوك الأفراد.
  • عملية إنسانية، حيث يعتبر الإنسان المصدر الرئيسي لها؛ أي إنها من صنعه، ومن دونه لا تكون ثقافة.
  • علمية تراكمية ومستمرة، فكل جيل من أجيال المنظمة يعمل على تسليمها للأجيال اللاحقة، فهي تعلَّم وتورث جيلاً بعد جيل.
  • نظام مركب يتكون من مجموعة من المكونات أو الأجزاء الفرعية المتفاعلة فيما بينها في تكوين ثقافة المنظمة، وتشمل العناصر التالية:
    أ- الجانب المعنوي: ويتمثل في الخلاق والقيم والمعتقدات والأفكار التي يحملها الأفراد.
    ب- الجانب المادي: ويتمثل في كل ما ينتجه أفراد المجتمع من أشياء ملموسة.
    ج- الجانب السلوكي: ويتمثل في عادات وتقاليد أفراد المجتمع، والآداب والفنون والممارسات المختلفة.
  • لها خاصية التكيف، فهي عملية مرنة لها القدرة على التكيف مع مطالب الإنسان البيولوجية والنفسية، ومع البيئة الجغرافية المحيطة للمنظمة.
  • تعكس ثقافة المنظمة المناخ التنظيمي السائد من ناحية طرق وأساليب المشاركة في اتخاذ القرارات، والتعامل مع العملاء، واتجاهات ومشاعر الإدارة العليا نحو العاملين، إضافة إلى لغة الخطاب الإداري والمصطلحات المستعملة في ذلك داخل المنظمة.

جوانب تطبيق الحوكمة الثقافية:

المشاركة: تعتبر المشاركة حجر الأساس في الحوكمة الرشيدة، وتبدأ من التنسيق والتعاون بين جميع الأطراف ذات المصلحة من أجل تحقيق الأهداف الثقافية للمؤسسة والمثقف معاً.
سيادة القانون: تتطلب الحوكمة هياكل قانونية عادلة يتم فرضها بشكل نزيه بحيث تتضمن حماية كاملة لحقوق الإنسان.
الشفافية: وتعني أن المعلومات متوفرة ومتاحة لأصحاب المصلحة والمستفيدين من القرارات ومضمونها، وتعني أن هناك معلومات مؤسسية كافية متاحة وسهل الوصول إليها.
التجاوب: تتطلب الحوكمة الرشيدة التجاوب مع متطلبات جميع الشرائح ضمن أطر زمنية منطقية ومحددة.
التوافق: تتفاوت وجهات النظر بين الأفراد والأقسام ولا بد من الانسجام بين هذه المكونات ضمن إطار تنظيمي موحد يكفل حقوق كل من هذه المكونات.
العدل والشمولية: وجود نظام عادل يعتمد على ضمان حقوق جميع المعنيين بكونهم شركاء وليسوا محيدين أو مهمَّشين بل أصحاب صوت وقرار.

العلاقة بين ثقافة المنظمة وأخلاقيات الأعمال:

أحد أسباب ظهور السلوكيات غير المحبذة والمعيقة للأداء هو «غياب الأطر الثقافية والمؤسسية» كإطار مرجعي ممارس ومكتوب يتم انتهاجه من طرف المؤسسات الاقتصادية في العالم، بالإضافة إلى غياب مفاهيم أخلاقيات العمل ومفهوم الخدمة العامة. وفي ظل غياب هذه المفاهيم ظهر الفساد، حتى إن بعض الكتّاب يعتبر أن الفساد له تأثير ىإيجابي على اقتصاد الدول النامية وعلى النظام السياسي والتراث الاجتماعي، وله تأثير على استقرار الدولة وعلى الإسراع في المعاملات الإدارية وعلى زيادة النمو الاقتصادي، لأنه يقضي على عوائق السرعة والإنجاز للمعاملات المتعلقة بتنمية اﻟﻤﺠتمع!
ولا شكفي أن السلوكيات غير المحبذة إذا ما تفشت تصبح تقاليد راسخة وقيماً لا يستغني عنها الموظف في ظل عدم توفر أطر رادعة لمنع ظهور مثل هذه السلوكيات؛ إذ يؤكدThompson على ضرورة تطبيق المبادئ الأخلاقية على سلوك الأفراد في المنظمات. وحرصاً على ضمان وجود أخلاقيات عامة ضمن العمل المؤسساتي فقد سعت الكثير من المؤسسات الكبرى سواء كانت خاصة، عامة أم دولية إلى وضع ميثاق للعمل ومعايير للسلوك للموظفين، سعياً منها لإبراز الأنماط الإيجابية المتوقعة لدى العاملين في المؤسسة في إطار الثقافة التنظيمية لهذه الأخيرة.
إن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد اعتبرت أن الثقافة هي مناهضة للفساد، وفي الوقت ذاته اعتبرت أن هناك معتقدات واسعة بانتشاره. وقد تعاملت الاستراتيجية مع هذه الجوانب انطلاقاً من عدة مبادئ وأسس، أهمها:

  • إن أفضل الوسائل تشأثيراً في هذه الثقافة هي اقتناع المواطنين بمصداقية وجدوى مكافحة الفساد في الدول العربية، وهذا تطلب من هيئة مكافحة الفساد وأطراف تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد تنظيم العديد من الفعاليات التي بينت للمواطنين، الإثباتات والقرائن التي تؤكد الجدية والمصداقية في عمل الهيئة، بجانب بعض المعيقات التي تواجه الهيئة في استصدار الأحكام القضائية.
  • يتطلب من المواطن المشاركة الفاعلة في نبذ الفساد ومحاربته سواء كفرد أو من خلال أطره المجتمعية، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الفساد أينما وجد.
  • مطلوب من كل مواطن نبذ الإشاعات والتحقق من المعلومات قبل بناء الانطباعات حول انتشار الفساد، لا بل وفي حالات المساهمة في تهويله.
  • التدابير الوقائية والحماية رافعة لحوكمة الثقافة:

المشاركة: تعتبر المشاركة حجر الأساس في الحوكمة الرشيدة، وتبدأ من التنسيق والتعاون بين جميع الأطراف ذات المصلحة من أجل تحقيق الأهداف الثقافية للمؤسسة والمثقف معاً

إن هيئة مكافحة الفساد، ومعها شركاؤها، لم تقف عند إعلام وحث المواطن وتوعيته بالمبادئ والأسس الواردة سابقاً، ولكن القانون أعطاها دوراً قيادياً في تعزيز التدابير الوقائية لدى المؤسسات الوطنية في الدول، ولكنها لم تتمكن من استغلاله بالشكل الصحيح، وأيضاً في البحث عن أفضل الوسائل والممارسات الدولية في حماية المبلغين عن الفساد والشهود والخبراء، ومن خلال تنفيذ الاستراتيجية، تم التأكيد على أهمية العدل والمساواة في تقديم الخدمات للمواطنين.
على الدولة أن تقطع أشواطاً كبيرة في مكافحة الفساد في الجانب الثقافي مقارنة ببقية الوزارات وتقدِّم بنود الاتفاقية المبرمة مع وزارة الشؤون الثقافية، من أجل التقصي في بعض الملفات التي تحوم حولها شبهات فساد، وتعزيز ثقافة الحوكمة بالقطاع الثقافي.
ولا بد من متابعة الجهات الآتية لتتحقق الحوكمة الثقافية الحقيقية، وهي: المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، وكذلك مؤسسة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بالإضافة إلى مراكز العمل الثقافي.


ولا بد للدولة من أن تتابع المهرجانات الصيفية الكبرى، وكذلك المهرجانات التي تقيمها جهاتها وتتمكن من التواصل مع الناس وتحسيسيهم بأهمية التبليغ عن حالات الفساد.
كل ماسبق يؤكد أن الحكومات بحاجة إلى مراجعة ذاتية لمتابعة الحوكمة الثقافية الفعلية، فهي الجانب الأضعف في متابعتها.

مقالات ذات صله