الكوادر البشرية المؤهلة في المجال الثقافي

د. باسم الزعبي

تعد الموارد البشرية عنصراً أساسيّاً في إدارة النشاطات الاقتصادية، فالموارد البشرية، إلى جانب الموارد المادية، والمالية، والوقت، تشكل عناصر الإدارة الناجحة. وكما يحتاج كل نشاط أو مؤسسة إلى موارد مادية معينة، فإنه بالتأكيد يحتاج من الموارد البشرية إلى مواصفات محددة تقتضيها طبيعة النشاط، أو طبيعة عمل المؤسسة. لذلك فالمؤسسة الثقافية أو الفعاليات الثقافية تحتاج إلى كوادر بشرية ذات مواصفات خاصة، فالمسرح على سبيل المثال يحتاج إلى مخرجين وممثلين ومصممي ملابس، ومكياج وكذلك تقنيين لإدارة الخشبة، وفنيي إضاءة وصوت…الخ، إضافة إلى إداريين ومحاسبين، وموظفي خدمات لوجستية.


وكذلك ينطبق الأمر على شركات إنتاج السينما، والمتاحف، ودور الثقافة، والصناعات الثقافية، مثل النشر، ومراكز التدريب على الفنون، والفرق الشعبية، والمسرحية، والموسيقية، والمعارض،… الخ.
من الواضح أن كل مؤسسة تحتاج من الكوادر البشرية ما هو متخصص بطبيعة عملها، إضافة إلى الوظائف الإدارية العامة، واللوجستية. هذه التخصصات أصبح لها علوم تدرّس، ومعاهد تخرّج مثلها، ومعاهد تدريبية تكسب الموظف مهارات إضافية في مجال العمل. لنأخذ على سبيل المثال إدارة فرقة فنون شعبية، المجال الذي يبدو للوهلة الأولى لا يحتاج إلى تخصص أو مهارات، إذ يراه البعض يعتمد على مهارات مكتسبة اجتماعيّاً. لكن الفنون الشعبية أصبحت مجالاً إبداعيّاً متخصصاً، وكذلك مجالاً اقتصاديّاً، إذ إن عروض هذه الفرق أصبحت تقدم على خشبات المسارح، ولا تشاهد فقط في المناسبات الشعبية في المناسبات العامة. لذلك أصبحت العديد من الدول تولى هذا المجال أهمية خاصة بوصفه ثقافة وفنّاً ومجالاً استثماريّاً. فبرزت فيه تخصصات، منها: المختصون بجمع التراث اللّامادي، من موسيقى وألحان، وأغان، وأشعار وحكايات…الخ، ومختصون بتصميم الرقصات، والتدريب على الرقص، وتلحين الأغاني والتدريب عليها، والعزف على الآلات الشعبية، وتصميم الملابس، وتصميم اللوحات الفنية، والإخراج…إلخ.


كل مؤسسة تحتاج من الكوادر البشرية ما هو متخصص بطبيعة عملها، إضافة إلى الوظائف الإدارية العامة، واللوجستية. هذه التخصصات أصبح لها علوم تدرّس، ومعاهد تخرّج مثلها، ومعاهد تدريبية تكسب الموظف مهارات إضافية في مجال العمل



وتعدّ الموارد البشرية أحد أهم مؤشرات الإمكانات الثقافية. فموظفو المؤسسة الثقافية يمثلون فئة من العمال، وهم بحكم قدراتهم ومعرفتهم ومهاراتهم المهنية وخبراتهم وكفاءتهم، مكلفون بنشاط المؤسسات الثقافية وإدارتها. يختلف الموظفون العاملون في مجال الثقافة عن قادتهم، المسؤولين عن التنظيم والتخطيط والرقابة وغيرها من المهام الإدارية بكاملها من حيث التبعية الإدارية؛ فهم متخصصون في الإدارة الوظيفية من تطوير وتنفيذ القرارات المتعلقة بأهم مجالات العمل مثل: (المدير الفني، المدير العام، كبير المستشارين، إلخ)؛ وكذلك موظفي الخدمات اللوجستية الفنية (الأمناء، الطابعين، البوابين والحراس، إلخ).

إن تأهيل العاملين في المجال الثقافي تُعدّ مشكلة مركزية. يعتمد العمل التنظيمي والإبداعي في الغالبية العظمى من الحالات على متخصصي الأنشطة الثقافية. إن انخفاض مستوى التأهيل العام للعاملين في المجال الثقافي؛ بسبب قلة المتخصصين من حملة المؤهلات العليا، يؤثر سلباً على مستوى جودة الفعاليات الثقافية التي تقام. لذلك يعتبر رفع المستوى التعليمي للعاملين في المجال الثقافي إحدى المهام الأساسية لتطوير الأنشطة الثقافية.


يتم التدريب المهني للعاملين في المجال الثقافي في المؤسسات التعليمية الخاصة: الأكاديميات، ومعاهد الثقافة، وبعض الكليات التي تتبع بعض الجامعات، مثل كليات الفنون الجميلة، وفي بعض الكليات المتوسطة، ومراكز التدريب في مجالات الفنون.
ومن الأمثلة وزارة الثقافة الاردنية التي عقدت اتفاقية تدريبة بمستويات متعددة مع معهد الادارة الاردني من باب تأهيل الإداريين والعاملين في الوزارة بتخصصاتهم المتنوعة، ومعظم الدورات الادارية تتمثل في رفع سوية الموظف في إدارة الزمن والإنتاجية العالية.
إن الملفت في مجال إدارة الموارد البشرية في بلدان العالم الثالث بشكل عام، وفي البدان العربية بشكل خاص، هو التعامل مع العمل الثقافي على أساس أنه عمل ترفيهي وحسب، لذلك نراه متروكاً لعلاقات السوق، فأصبحت تُقدَّم منتجات ثقافية رديئة، متدنية في محتواها القيمي، ومتدنية في كلف إنتاجها، للمتلقي بدعوى أن الجمهور هو ما يريد هذا النوع من المنتجات، وهذا ينطبق على كثير من الأعمال السينمائية والمسرحية والموسيقية، والدرامية التلفزيونية، وأفلام الكرتون الخاصة بالأطفال، وأغاني وأناشيد الأطفال، وحتى الكتب، خاصة كتب الأطفال، والقصص والروايات… الخ.


لقد حاولت بعض الدول ممن كانت تقوم على إيديولوجيات معينة توجيه الثقافة في خدمة أغراض سياسية، كما حدث في مصر وسوريا والعراق على سبيل المثال، حيث أولت حكوماتها في حقبة تاريخية معينة الشأن الثقافي أهمية خاصة، فأنشأت العديد من المرافق الثقافية مثل قصور الثقافة، والمسارح، والفرق الفنية المسرحية والموسيقية، وفرق الفنون الشعبية، والمكتبات، ودور النشر، والمتاحف، ودعمت إنتاج الأعمال السينمائية والتلفزيونية، والمعارض ودعمت المبدعين في مجالات الفنون والآداب. وفي دول أخرى أنيط العمل الثقافي بهيئات المجتمع الأهلية أو مؤسسات القطاع الخاص، فأنشئت الفرق المسرحية، والجمعيات والأندية الثقافية والإبداعية، وانتشرت دور النشر والصحف التي تعنى بالثقافة والإبداع، ودور السينما والمعارض، والمؤسسات التعليمية والتدريبية التي تعنى بتطوير المنتج الثقافي ومحتواه، وتطوير الإبداعات الثقافية.
لا بد في هذا السياق من الحديث عن علاقة المبدع في المجال الثقافي بالإدارة الثقافية، والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو: هل الإبداع ضرورة للمدير في المجال الثقافي؟ وهل يمكن أن يكون المبدع الجيد إدارياً جيداً؟


إن التجربة العملية تقول إن الإبداع ليس شرطاً من شروط المدير في المجال الثقافي. قد تتوفر لدى بعض المبدعين قدرات ومهارات إدارية خاصة، لكن ليس بالضرورة أن يكون كل مبدع قادراً على أن يقوم بالمهام الإدرية بالنجاح المطلوب، وبمستوى الإبداع الذي هو عليه. وأحياناً يكون العمل الإداري في غير صالح المبدع، إذ قد يسحبه تدريجياً من ساحة الإبداع، ليغرق في تفاصيل العمل الإداري، وقد يورطه في مشاكل وأخطاء قد تسيء إلى سمعته وإلى إبداعه.
فما هي مواصفات الشخص المطلوب للعمل الإداري في المؤسسة الثقافية أو النشاط الثقافي؟
ففي المانيا على سبيل المثال: تشير درجة الموارد البشرية إلى الذين يساهمون في توظيف الأشخاص الذين يعملون في منظمة معينة، وبالتالي، تُعد هذه الدرجة لطالبي أنواع مختلفة من الوظائف. فأثناء دراسة درجة من هذا النوع، يدرس الطلاب موادّ تتعمق في مواضيع مثل المساواة في الأجور، وقانون العمل، والسلوك التنظيمي، والقيادة والإدارة.
يمكن تصنيف الوظائف في المجال الثقافي إلى ثلاث فئات: الأولى وهي فئة الإداريين الثقافيين( في الوظائف القيادية والإشرافية)، والثانية، فئة الفنيين والتقنيين والمتخصصين (الوظائف التنفيذية)، والثالثة، فئة الخدمات المساندة( وظائف الخدمات اللوجستية من السائقين، والحراس، والعمال… الخ).

في المانيا تشير درجة الموارد البشرية إلى الذين يساهمون في توظيف الأشخاص الذين يعملون في منظمة معينة، وبالتالي، تُعد هذه الدرجة لطالبي أنواع مختلفة من الوظائف


الفئة الأولى تعد من الفئات المهمة وهي حلقة أساسية في سلسلة حلقات الإدارة الثقافية، ويمكن القول إنها هي الفئة المتحكمة في مصير المؤسسة أو النشاط. فهي العقل المخطط داخل المؤسسة، والقادرة على ربط مختلف أنواع نشاط المؤسسة.
موظف هذه الفئة يجب أن تتوافر فيه بعض الشروط، وأبرزها:

أولاً، أن يكون مؤهلاً، تأهيلا عالياً.
ثانيا، أن يكون مثقفاً شموليّاً،
إذ إن موقعه يُحتِّم عليه التعامل مع طيف واسع من المبدعين والمثقفين في العديد من المجالات.

ثالثاً، أن تكون لديه خبرة وقدرة على التخطيط.
فكل الدول والشعوب تنظر إلى النشاط الثقافي على أنه وسيلة ليس فقط للترفيه، بل هي تحمِّله مضامين قيميّة معينة، إضافة إلى المعلومات، والقيم الجمالية، فالمدير ضمن هذه الفئة لا بد أن تكون لديه خلفية ثقافية ومعرفية، وذائقة جمالية، ووعي بالمصالح العليا للدولة والشعب، والأهداف العامة لمؤسسته، حتى يكون قادراً على التخطيط لها.

رابعاً، أن تكون لديه القدرات والمهارات القيادية لإدارة العمل في المؤسسة الثقافية، أو النشاطات الثقافية.

خامساً، أن تكون لديه القدرة على تطوير العمل.
وأخيراً، يمكن التنويه إلى أهمية المعلومات وثقافة المعلومة في عصرنا الراهن، خاصة على ضوء تطور وسائط نقل المعلومات والمنتجات الثقافية، خاصة تكنولوجيا الكمبيوتر، والانترنت. وهذا بدوره يلقي بمسؤولية خاصة اتجاه العمل الثقافي، ويفرض متطلبات إضافية على العاملين في المجال الثقافي، تتمثل بضرورة توفر المعرفة والمهارة اللازمة للتعامل مع أنظمة المعلومات الجديدة، والقدرة على توظيفها في صالح العمل الثقافي وتطويره.
وقد أصبحت «صناعة المعلومات» فرعاً مستقلاً في المجال الثقافي، وهي نوع مستقل ومربح من الأعمال الثقافية. فتكنولوجيا المعلومات تتسم بأهمية خاصة في أنشطة المكتبات الحديثة، لأنها تتيح أتمتة الخدمات المرجعية والببليوغرافية وتمكّن من التبادل الدولي للمعلومات. بمساعدة تقنية الكمبيوتر، على أساس قواعد البيانات الآلية المفتوحة، يمكن لأي عامل مبدع الحصول على المعلومات التي يحتاجها حول الإنجازات الثقافية والفنية العالمية، حول الشخصيات الإبداعية والمدارس الفنية، إلخ. يتم تطوير خدمات المعلومات ليس فقط في مجال المكتبات، ولكن أيضاً في أنواع أخرى من الأنشطة الاجتماعية والثقافية. وقد أنشئت بنوك الأفلام السينمائية، التي تعمل في مجال توزيع الأفلام وإنتاجها، كما يوفر الانترنت الأفلام السينمائية، والتلفزيونية، والأعمال المسرحية…إلخ. وقد أصبح جمع المعلومات يحتاج إلى قاعدة موظفين مدربين بشكل خاص. إن تطوير مصادر وتكنولوجيات المعلومات في مجال الثقافة سيُمكّن من الوصول بها إلى مستوى جديد نوعياً، لتهيئة ظروف ملائمة للعمل الثقافي ذاته.

مقالات ذات صله