الدور الاجتماعي للمتاحف

ترجمة شوقي برنوصي

منذ سبعينات القرن الماضي، بعد جورج هنري ريفيار أو أندري ديفالي أو دنكن كامرون، تنامت طريقة جديدة مغايرة للتفكير في المتاحف وعلاقتها بجماهيرها. منذ ذلك الحين، ظهرت عبارات توجّهت إلى معنى مشترك نعرفه عن المتاحف، ونجده دوماً في خطابات المؤسّسات المتحفيّة وضمن أهداف السياسات الثقافيّة. صرنا نتحدّث كذلك-عن خطأ أو صواب- عن علم المتاحف الاجتماعي أو التشاركي أو عن «المتحف-المنتدى» أو أيضاً عن الدور الاجتماعيّ للمتاحف. تزخر جميع هذه المسائل حتما بالتأمّلات وتثري المتاحف اليوم وغايتنا ليست مناقشة صلتها البديهيّة بها. لكن هل يجب توفير كلّ الوسائل للإجابة عنها بالموضوعيّة التي تستحقّ؟

إذا نقلنا مركز اهتمام المتحف نحو الزائر، سنخلق بذلك ثنائيّة بين البحث والمحافظة على تشكيلة المؤسّسة المتحفيّة من ناحية، و«تحصيل» جمهور متنوّع يأتي للتعلّم والترفيه داخل المتحف من ناحية أخرى. تضاهي هذه الوضعيّة ربّما الشدّ والجذب، مصدر تباين يدفع التساؤل حول تطوير المتاحف نحو التناقض أو نحو توازن ضروريّ يضمن السير الجيّد للمتحف كمؤسّسة دائمة –ودون غاية ربحيّة- في خدمة المجتمع وتنميته. المتحف مفتوح للعموم ويقوم بأبحاث تتعلّق بالشواهد الماديّة للإنسان وبيئته، يملكها ويحفظها ويعرّف بها ويعرضها لأجل أغراض التعليم والتربية والإبهاج.


في كلّ الأحوال، يُدرِجُ تطور الفرد في اهتمامات المتحف لكن ليس داخله بالضرورة. بعد أفول نجم المتاحف الايكولوجيّة -الذي يمثّل ضربة أخرى حملها «الواقع اليوميّ» لأغلبيّة المؤسّسات التابعة لعلم المتاحف هذا- ظهرت لهذا الغرض الجديد أدوات أخرى مثل الترويج الإشهاري والتسويق أو استراتيجيّات تصرّف أخرى. هل هذا بالأمر الجيّد؟ لم يغلق هذا النقاش بعد، إذ لا مكان له هنا، لكن يبقى أنّ كلّ واحد يعي اليوم أنّ ذلك لم يعد حقّاً خياراً يمكن للمتاحف احتماله. نلاحظ على الرغم من ذلك أنّ قسم «الحفظ» الذي يصمّم المعارض يرمي إلى معرفة هذا الزائر، تماماً مثل قسم «العلاقات مع العموم». نرى من ناحية دراسات عن سلوكه وموقفه(استراتيجيّات الزيارة وقراءته للأعمال، الخ…)، ومن ناحية أخرى نجد إحصائيّات حول بيئته الجغرافيّة وعمره ومهنته. غير أنّه يجب على الجميع أن يتعاطوا مع «زائر نموذجيّ» -أو حتّى «افتراضيّ»- وكأنّه نوع من وهم أو أسطورة غير قابل للتعريف أو الرصد. يتعقّد أكثر في هذه الحالة تأسيس «علم متاحف تشاركيّ»، يكون مغايراً تماماً لإجراءات مضبوطة يتمّ تطويرها حالة بحالة.


لكن هل يبقى في المتحف غير مجموعة مقتنياته؟ نشكّ في ذلك، الحقيقة ليست باليسيرة. لأنّ التعريف نفسه للمجموعة -العنصر الجوهريّ في المتحف الغربيّ نفسه- يتطوّر بتسارع كبير، وسط حركة متّصلة باتساع مفهوم التراث. دون الدخول في تفاصيل هذا التطوّر، نرى أنّ بزوغ اللاّماديّة يمكن أن يضع عدداً من «التحدّيات» فيما يخصّ حماية وحفظ التراث. تمثّل اللاّماديّة مصدر إمكانيات جديدة للتنمية، وبدأ يتردّد صدى المتاحف الافتراضيّة الخاصّة بالتراث اللاّمادي. سواء كان ذلك على مستوى خطط البحث والتقنيات، أو حتّى خلال إنشاء هذه المتاحف؛ إذ نرى تطوّر وسائل مبتكرة و«أماكن» للحفظ وللبثّ أو للتعبيرات«الجديدة». يؤثّر كلّ هذا على إدراكنا للمتاحف بصفة عامّة، ما يصعّب أكثر مهمّتها في جذب الجمهور ومطلقاً عدم استيعاب لها أمام غياب عدد منها على الانترنت. تجرّد التراث من ماديّته وصار المتحف افتراضيّاً… لكن أين هم أولئك من ينشئون المتاحف؟ لأنّه حتّى وإن تمكّن كلّ واحد من ترك تاريخه أو ذاكرته –داخل السياق أو خارجه- لا يسعنا غير إنشاء مجموعة، ومن المؤكّد دائماً توفّر أحد ليحافظ عليها والقيام بأبحاث عنها ونشر المعارف حولها. بالتّالي، ما هو مكان أو ماذا سيكون عليه مستقبلاً دور علماء المتاحف داخلها؟

❞ من المحبّذ أن نتوقّف قليلاً أكثر عند الأشخاص العاملين لدى أغلب المتاحف، أولئك ذوو الرتب الصغيرة ❝



قبل أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال، من المحبّذ أن نتوقّف قليلاً أكثر عند الأشخاص العاملين لدى أغلب المتاحف، أولئك ذوو الرتب الصغيرة. في الحقيقة، كيف نواصل العمل بمفاهيم علم المتاحف الجديدة –على الرغم أنّها الأحدث-عندما يتعوّد الزائر على جانبها الافتراضيّ وعلى المجموعة غير القابلة للمس وأنّ المتحف نفسه في أوج التحوّل؟ يميل مهنيّو المتاحف إلى التمسّك بالمبادئ والتقنيات المتحفيّة التي يعتبرونها قاعدة استقرار وديمومة في هذا السياق. غير أنّنا نلاحظ أنّ الإجراءات التي تقوم بها المتاحف، على قاعدة مبادئ علم المتاحف الاجتماعيّة والتشاركيّة تلك، تمثّل مبادرتها الخاصّة لا تلك التي تبادر بها الجماعات. ما هي شرعيّتها إذن فيما يخصّ الجوانب الاجتماعيّة والتشاركيّة للقيام بهكذا مشاريع؟


من البديهيّ أنّنا لا نشكّك في عمليّة اقتناء وحفظ وعرض المقتنيات-الماديّة واللاماديّة- الخاصّة بجماعة أو مجموعة، لكن من الوجاهة أن نفعل ذلك وفق المنظور الاجتماعيّ دون التساؤل إن كان ذلك من الملائم حقّاً استعمال هذا النموذج. إنّها حالة من الحالات التي نحاول من خلالها إنشاء متحف، تكون فيه مجموعته ومعروضاته ممثّلة لجماعة استثنائيّة، دون التساؤل إن كان إنشاء متحف يلائم ثقافتها أو لا.
تجاوزت التطوّرات الأخيرة لمفهوم التراث أيضاً – والإمكانيات التكنولوجيّة وتزايد إمكانية الوصول إلى المتاحف- علم المتاحف وطرق تدريسه، لهذا السبب أدركنا جيّداً مؤخّراً التبعات الممكنة المتّصلة لهذه المتغيّرات. المتاحف التي تطاردها الأرقام و«دمقرطة» الثقافة- مبادئ رغم ذلك جديرة بالثناء في حدّ ذاتها- تجد نفسها محصورة بين ضرورة أن تكون مفتوحة للجميع وتبرير قدرة الإمكانية العالية للوصول إليها من طرف المؤسّسات الخاصّة أو العموميّة، التي تموّلها وفق تقارب متنوّع يتنامى بالتدريج. بينما نصل إلى مدى نتساءل فيه: ألا تقدّم المتاحف بدورها «نفس الشيء»، في ظلّ رغبتها في جذب كلّ الناس وفي كلّ الأوقات وباستعمال نفس التقنيات؟ إذا كان هنالك مبدأ للتسويق يمكن أن تنفّذه هاته المتاحف، هو تحديد خصوصيّات عرضها و»الميزة التنافسيّة» الخاصّة بها.

كيف يمكن أن يكون ذلك «الدور الاجتماعيّ للمتاحف»؟ لا شكّ في أنّ المؤسسة المتحفيّة مزروعة في مجتمع ما وتحمل مسؤوليّات تجاهه. واحدة من هذه المسؤوليّات -بلا ريب- هو تعزيز النفاذ إلى كلّ مرافقه. لكنّ كلّ مكان هو مختلف. أبعد من كلّ التصنيفات، كلّ متحف خصوصيّ بالنظر إلى تاريخه ومحتوياته وبيئته الماديّة والاجتماعيّة. يحدّد إذن الـ «عقد» المخصوص بين المتحف والمجتمع «مهمّته»، ويجب أن يكون أيضاً قاعدة لتسييره وعنصر الاستقرار الذي تنبني عليه مشاريعه وأهدافه. بعبارة أخرى، يجلب إعلان المهمّة انتباهنا إلى الأسباب الأكثر استدامة والأكثر عمقاً من وجود المتاحف، إنّه أساس أيّ خطّ عمل أو تطوّر مستقبلي. وفق وجهة نظر الإداريّين، يمكن أن يستغرق تحديد المهمّة الصحيحة وقتاً لكنّه جوهريّ لإدارة المؤسّسة على مدى بعيد، لأنّ المهمّة هي النواة التي يجب أن تتطوّر حولها سياسات المؤسّسة. ما يمكن لعلماء المتاحف فعله وسط المتاحف-عمليّاً من الداخل والخارج- هو المشاركة في تحديد المهمّة والأهداف أو تحيينها عند الاقتضاء، وتطوير أدوات مفاهيميّة وتطبيقيّة تساعد المؤسّسات على الاشتغال. بفضل ذلك، يمكن تبيان مكانة كلّ متحف ومسؤوليّاته تجاه المجتمع، وتقييم فعله بطريقة ملائمة وناجعة. يعني هذا إتباع أسلوب يمثّل مصدر ارتقاء المؤسّسة، وهكذا سوف نسمح لها بتلبية «دورها الاجتماعيّ» بكلّ اقتدار.

مقالات ذات صله