عشرون عاماً على جائزة نجيب محفوظ

حسين نشوان

تكمل جائزة نجيب محفوظ(*) 23 عاماً على انطلاقها أول مرة بأقل من عامين لتكمل ربع قرن على تأسيسها و13 عاماً على رحيل الذي حملت اسمه و108 سنوات على ميلاده.
وبإعلان الجائزة لهذا العام يكون قد انضم لنادي الفائزين نحو 30 مبدعاً من مختلف البلدان العربية، أضافوا لعناوين الرواية العربية جملة من المغامرات السردية والتجارب الحديثة التي تنضاف لخريطة السرد العربي بتنوعه وامتداداته، ومحيط الرواية العالمية وأمواجها.

وجاءت جائزة نجيب محفوظ، – وهي جائزة أدبية متخصصة في الرواية الحديثة، أنشأها قسم النشر في الجامعة الأميركية عام 1996- لتقتفي آثار صاحب «ثرثرة على النيل»، في تمهيد الطريق للمبدعين العرب للتعريف بإبداعهم، وكما قال رئيس اتحاد كتاب مصر محمد سلماوي في كلمته نيابة عن محفوظ في حفل تسلم نوبل: «ليسمعوا هسيس اللغة العربية».
اختارت الجامعة أن يتزامن يوم تسليم الجائزة في الحادي عشر من ديسمبر موافقاً يوم مولد الروائي الذي بعد من أهم الأدباء العرب في القرن العشرين، وبحصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1988، يكون أول روائي عربي يحوز الجائزة.


تمنح جائزة نجيب محفوظ بحسب شروط الجامعة للرواية المنشورة باللغة العربية فقط، وتقوم الجامعة بترجمة الرواية باللغة الإنجليزية ونشرها، سعياً لتعريف القارئ الأجنبي بالكاتب والأدب العربي. وتمنح الجامعة للفائز ميديالية فضية، ومبلغ ألف دولار أميركي.

أسماء لامعة
يشتمل جدول الجوائز على أسماء لامعة ومهمة في عالم الرواية حرية بتلك الجائزة ولا يختلف عليها اثنان، فهي أسماء وازنة ولها منجزها وحضورها العربي.
في الدورة الأولى فازت بها رواية «البلدة الأخرى» لإبراهيم عبد المجيد، و»الباب المفتوح» للروائية لطيفة الزيات.
وقال نجيب محفوظ وقتذاك معلقاً على إطلاقها منتصف التسعينيات من القرن الماضي: إن «الإعلان عن هذه الجائزة التي تكرم الأدباء والأدب في العالم العربي، هو الحدث الأكثر متعة في حياتي».


ولا تقتصر الجائزة على الأدباء المصريين، بل هي مفتوحة للكتاب العرب، فاز بها حتى الآن: 11 روائيا مصرياً، و3 من فلسطين، و2 من سوريا، وفي العام 2011 منحت للشعب المصري الذي أثرى الأدب.
في العام 1997 فازت رواية «رأيت رام الله لمريد البرغوثي، فلسطين، مناصفة مع «قصة حب» ليوسف إدريس، مصر. وفي العام 1998 فازت رواية «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي، الجزائر، وفازت رواية «راما والتنين» لإدوارد الخراط، مصر عام 1999.
وفي العام 2000، فازت رواية «حارث المياه» لهدى بركات، لبنان، وفي 2001 فازت «أوراق النرجس» لسمية رمضان، و2002 رواية «العلامة» لسالم بن حميش، المغرب ، و2003 «وكالة عطية» لخيري شلبي، مصر.


وفازت رواية «المحبوبات» لعالية ممدوح، العراق عام 2004، وفازت عام 2005 رواية «ليلة عرس» ليوسف أبو رية، مصر، وفازت «صور وأيقونة وعهد قديم «لسحر خليفة، فلسطين عام 2006.
وفازت عام 2007 رواية «نبيذ أحمر» لأمينة زيدان، مصر، و2008 رواية «الفاعل» لحمدي أبو جليل، مصر، و2009 «رواق الحب» لخليل صويلح، سوريا، و2010 رواية « بروكلين هايتس» لميرال الطحاوي، مصر.
وعام 2012، منحت الجائزة لرواية»بيت الديب» لعزت القمحاوي، وعام 3013 منحت لرواية «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» لخالد خليفة، سوريا.
ومنحت الجائزة عام 2014 لرواية «شوق الدراويش» لحمور زيادة، السودان، و2015، لرواية «لا طريق إلى الجنة» لحسن داود، لبنان، و2016 لرواية «حكايات يوسف تادرس» لعادل عصمت، مصر، و2017 رواية مخمل لحزامة حبايب، فلسطين، و2018 «مسرح الغرانيق» لأميمة الخميس، السعودية.

نقد للجائزة
ولم تنج الجائزة ولا المؤسسة التي تمنحها منذ 23 عاماً من النقد الذي طال الجامعة بـ(الأمركة) عام 2003، وقال نجيب محفوظ الذي كان أحد خريجيها: إن الجامعة الأميركية بالقاهرة مؤسسة تعليمية ثقافية، وليست الولايات المتحدة».
وفي ذلك الوقت أثار عدد من المثقفين ضجة وطالبوا تنظيم جائزة مصرية/ عربية باسم نجيب محفوظ، لأن الجامعة تحاول تلميع صورة أميركا باسم الروائي نجيب محفوظ، وأن أميركا «ليست محايدة تجاه القضايا العربية». ولم يخل الأمر في الخلط بين المؤسسة الأكاديمية الثقافية، وسياسة الحكومة الأميركية الخارجية، من ثارات بين المثقفين الذين أسقطوا تلك الخلافات على الجامعة والجائزة.


نجيب محفوظ
ولد نجيب محفوظ في مدينة القاهرة، وعرف حاراتها وزقاقها وقرأ تاريخ الناس من خلال الحياة اليومية لهم، فعرف فلسفة الإنسان البسيط قبل أن يدرس الفلسفة في الجامعة الأميركية.
وتدرو غالبية روايات نجيب محفوظ في الحارة المصرية الشعبية، وتتناول علاقات المجتمع والأسرة والرجل وزوجته، وكانت عناوينه لا تبتعد عن تلك المناخات، ومنها «أولاد حارتنا»، «بين القصرين».
تغلب الواقعية والنزعة الوجودية على أسلوبه الروائي الذي شكل مدرسة في السرد العربي واستحق جائزة نوبل.
ولد عام1911، وكان عمره ثماني سنوات حينما انطلقت ثورة عرابي، وهو مخضرم، عاش حقبة الاستعمار والملكية والثورة بكل تضادات الحياة التي كونت فلسفته في الكتابة، ولفرط حبه للقاهرة ومصر لم يغادرها ولم يخرج من مصر طوال حياته سوى مرتين أو ثلاث مرات، وحتى حينما فاز بجائزة نوبل انتدب ابنته لتسلمها.
درس في الكتّاب، ثم واصل تعليمه الابتدائي فالثانوي الذي تفتح فيه اهتمامه بالأدب العربي. ودرس الفلسفة علم 1934، والتحق ببرنامج الماجستير إلا أن احترافه للكتابة حال دون استكمال دراسته.
عمل موظفاً في جامعة القاهرة وتنقل في الهيئات الحكومية منذ تخرجه حتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي، منها الأوقاف والبرلمان، كما عمل في الصحافة في جريدة الرسالة التي أتاحت له الاحتكاك مع أوساط الموظفين والعمال من مختلف الفئات الاجتماعية التي رسم بعض ملامح شخصياتهم في رواياته.
البدايات
بدأ نشر قصصه القصيرة في جريدتي الأهرام والهلال، وبدأ في الكتابة التاريخية نهاية الثلاثينيات برواية»حكمة خوف، أو عبث الأقدار»، ثم «رادوبيس»، لينتقل للحياة الشعبية في «خان الخليلي» منتصف الأربعينيات من القرن الماضي.
وخلال الخمسينيات من القرن الماضي تسلم منصب مدير الرقابة بمكتب الفنون بالإضافة لإدارته لمؤسسة دعم السينما، ليتوج رحلته المهنية مستشاراً بوزارة الثقافة، وواصل بعد تقاعده الكتابة في الأهرام وعدد من الصحف والدوريات.
كتب تاريخ القاهرة خلال ثلاثة أجيال ابتداء من الحرب العالمية الثانية حتى ثورة 1952 في ثلاثة : «بين القصرين» 1956، «قصر الشوق» 1957، و»السكرية» في العام نفسه. وفي عام 1959 نشر رواية «أولاد حارتنا» التي حظرت في مصر في وقتٍ لاحق بسبب محتواها المثير للجدل. وبين عامي 1940 و 1980، تحول ما يقرب من خمسة وعشرين من أعماله الأدبية إلى سيناريوهات سينمائية، وترجمت أعماله الروائية لعدد من اللغات الحية.
تعرض نجيب محفوظ للطعن على يد أحد المتطرفين عام 1994، وبقي متأثراً بدنياً ونفسياً بتلك الحادثة، وحينما سئل مرتكب الجريمة إن كان قرأ ما كتب نجيب محفوظ، فأجاب بالنفي، بل إن الجاني كان لا يحفظ اسم الروائي، فيذكر اسمه مقلوباً «محفوظ نجيب».
نوبل إذ تشرق في بلاد العرب


حصل نجيب محفوظ على عدد من الجوائز، وأهمها: نوبل للآداب 1988، والوسام الرئاسي من الجامعة الأميريكية عام 1989، والدكتوراه الفخرية من الجامعة نفسها، وفي 1992 جرى تكريمه عضواً فخرياً في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، وفي عام 2002 انتخب عضواً فيها.
وهناك من شكك في النوايا التي منحت على أساسها جائزة نوبل للروائي العربي بذريعة أطروحاته الروائية التي تتصل بملامسة قضايا تتصل بالثالوث المحرم، ومنها ازدراء الأديان، وتحديدا في روايته «أولاد حارتنا»، ومواقفه السياسية إزاء ثورة يونيو 1952، وموقفه من السلام مع إسرائيل.
كان يعتقد أن الزواج يعطل مسيرة الإبداع، فتزوج متأخراً وهو يبلغ من العمر 43 عاماً، وأنجب ابنتين هما: فاطمة وأم كلثوم. وهو ينتمي للطبقة. وكان مقهى ريش مركز الكون بالنسبة لنجيب محفوظ التي لم يبرح مكانه فيها على مدار عقود، يقرأ فيها (الجورنال) الصحيفة، وتأثر في كتاباته بعدد الكتاب، ومنهم: مصطفى لطفي المنفلوطي، محمود عباس العقاد، جيمس جويس، فرانز كافكا، ومارسيل بروست.
من أقوال نجيب محفوظ: «الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة»، «الثورات يدبّرها الدهاة وينفذها الشجعان ثم يكسبها الجبناء»، «عندما تتكاثر المصائب يمحو بعضها بعضاً».
توفي نجيب محفوظ في 30 آب/ أغسطس عام 2006م في القاهرة، وكان عمره 94 عاماً.
(*) هناك جائزة أخرى تحمل الاسم نفسه، يمنحها المجلس الأعلى للثقافة، وتوقفت عام 1999، وعادت في آب 2017 بعد 18 عاماً.

مقالات ذات صله