الزي النسائي في الوطن العربي بين الأصالة والمعاصرة

غازي انعيم – الأردن

تعتبر الأزياء الواجهة الرئيسة لأي مجتمع، كما أنها الصورة المرئية له بكل ما فيه من ثراء وفن، حيث تحرص المجتمعات على الظهور بأجمل ما توصل إليه ذوقها من اللباس، ولذا فإن الملابس والأزياء تأتي تعبيراً واضحاً عن أذواقها. كما أنه انعكاس لما يعتمل في النفوس. ولا نبالغ عندما نقول إن الأزياء تمثل إلى جانب الذوق تراث وتاريخ أي أمةـ وأي إنسان يلم بدلالات الأزياء يستطيع تكوين فكرة واضحة عن الحالات النفسية والذوقية والثقافية لأي شعب.


ويخطئ من يعتقد أن الأزياء أتت نتيجة اختيار فوري وسريع، إنما هي تعبير نهائي للحياة لأي شعب من جميع جوانبها، حيث اكتسب هذا الشعب من خلال الأزياء طابعاً معيناً أصبح يميزه عن بقية الشعوب. وقد امتاز زي الشعوب العربية وبشكل خاص النسوي بطابع مميز بين الأزياء العالمية، مما أضفى هذا التميز نمطاً معيناً جعله من أبرز ما يسمى بصميم الهوية العربية، حيث تتعدد مناطق البادية والقرى والمدن في الوطن العربي، ولكل منطقة من هذه المناطق ثقافة معينة ساهمت بتمييز كل منطقة منها بزي خاص بها يضفي نوعاً من اللمسات التي تميزه عن بقية الأزياء في العالم باختلاف تصاميمها، مما يشكل النوع المظهري من ثقافة وهوية وحضارة لكل منطقة من المناطق.


وعلى الرغم من اتساع جغرافية الوطن العربي، والاختلاف الظاهري في العادات، فهناك وحدة أصيلة في الأزياء العربية، ومن هنا نجد التشابه مثلاً بين بدو النقب وبدو سيناء والعراق وبدو المغرب، كما نجد في جميع أقطار الوطن العربي تشابهاً في أزياء سكان الجبال والأودية والصحراء، وعدد الأردية التي يلبسها الشخص الواحد، كما تختلف الأزياء من حيث المناسبة التي يتم ارتداء الزي فيها، فزي الأعراس يختلف عن زي الأعياد، والأتراح، وزي الصَّبيَّة يختلف عن زي المرأة المتزوجة، ولكن مهما اختلفت الأزياء العربية ومهما دخل عليها من تحديثات إلا أنها تشترك جميعها في الطابع العربي الخاص.


وبصورة عامة، فإن الأزياء العربية تزخر برموز ورؤى اجتماعية وثقافية وتاريخية وجمالية مغرقة أصولها في القدم، وهي تعكس البيئة التي جاء منها الزّي، فمن مناطق المطر والخضرة والساحل يأتي الثوب المبرقش الغني بالألوان والرسوم، ومن المناطق الجافة والبوادي يأتي الثوب وحيد اللون، المزخرف بالشراشيب والخرز الملون، ومن البساتين والوديان الظليلة يأتي الثوب ذو الألوان الفاتحة، ومن المناطق المكشوفة ذات الإضاءة الشديدة تأتي الأزياء ذات الألوان السوداء والزرقاء، كما أن في أنماط التطريز تكمن معانٍ تاريخية ميثولوجية عريقة، فالدائرة هي الديمومة، والمثلث هو السماء، والمعين هو الحرز والسنابل هي الخصب، والشجرة هي الحياة، وهناك الطيور والكواكب والنباتات، كما أن هناك التماثل والتناظر.. ولم لا، فقد سبق وأن اتجه المصمم العربي إلى التجريد معتمداً على التماثل والتناظر والتبادل وتعدد المساحات في توزيعها والإيقاع الخطي المتراقص، ولم يترك المصمم مجالاً من مجالات الإنشاء والابتكار إلا طرقها مثبتاً فيه جدارته وثقته بنفسه.

ومن الألبسة التي أُدخلت عليها بعض التعديلات لتواكب العصر «فستان حنة» وهو فستان كانت العروس الإماراتية تلبسه بلونه الأخضر، أما الفستان الحديث فقد أدخل عليه اللون الأحمر وأحيانـاً الفوشي والأخضر، ويتميز هذا الفستان بالتطريز الكثير و«الشك» وأيضاً القصات التي يجب أن تكون مريحة، بحيث تسهل حركة العروس


ونظراً لطبيعة المرأة العربية وحبها للتزين وتأثرها بالعادات الراسخة في أعماقها فقد جاءت أزياؤها تعبيراً مباشراً عن تأثرها بتلك العناصر والعوامل الموروثة. ولا يعني هذا عدم تأثر المرأة العربية بالأزياء الوافدة بل طورتها وأدخلت عليها من تراثها وصنعت منها ما يناسبها. ولهذا نجد تنوع الأزياء عند المرأة في الوطن العربي ما بين الأزياء الشعبية التاريخية والعريقة وما هو مستحدث ومتطور ومنها ما يجمع بين الأصالة والمعاصرة. ومثال ذلك ارتباط الحصان، بالفارس الثائر في الثورة الفلسطينية الأولى عام 1936، حيث قامت المرأة الفلسطينية بتطريز الحصان والفارس على الثوب الفلسطيني، وكان الحصان لا يطرز إلا على ثوب زوجة الفارس الثائر فقط، وما زال يظهر حتى الآن على الصدر في أزياء منطقة القدس.
ومن الملابس التي جمعت ما بين الأصالة والمعاصرة، ذلك الثّوب الذي ولد مع الانتفاضة الشّعبيّة في فلسطين بعد أشهر قليلة من بدئها عام 1988 م، هذا الثّوب الذي سمي» بثوب الانتفاضة «، يتضمن رسومات مطرّزة لخارطة فلسطين والعلم الفلسطينيّ وأغصان الزّيتون وحمامة السّلام. وقد ظهر هذا الثوب في منطقة الخليل وانتشر ارتداؤه في سائر قرى فلسطين وتعداها إلى الخارج إلى جميع مناطق وجود الفلسطينيين.


ومن الألبسة التي أُدخلت عليها بعض التعديلات لتواكب العصر «فستان حنة «وهو فستان كانت العروس الخليجية تلبسه بلونه الأخضر، أما الفستان الحديث فقد أدخل عليه اللون الأحمر وأحيانـاً الفوشي والأخضر، ويتميز هذا الفستان بالتطريز الكثير و«الشك «وأيضاً القصات التي يجب أن تكون مريحة، بحيث تسهل حركة العروس.


وفي تونس تم المزج ما بين «الجبة» و«البرنس» و«الفرملة» و«السروال العربي» وقد اعتمد في تصميمها على الزينة المستوحاة من الجبة والبرنس التونسي حتى تتناسب مع اللباس النسائي بعد أن ظلت هذه الأزياء مدة عقود متوجهة للرجل في المقام الأول، أما ألوانها فمستمدة من الطبيعة، مثل البرتقالي والبنفسجي والأخضر مع إدخال الخطوط سواء بشكل طولي أو عرضي.
وأصبحنا نشاهد «القفطان المغربي» بتصاميم معاصرة مختلفة عن الزي التقليدي المغربي الذي يجسد التراث والتاريخ، ولم تستطع المغربيات رغم حداثتهن واتباعهن الموضة من التخلص من «القفطان» أو «التكشيطة» في الأعراس، وتعويضها بفساتين السهرة، وتتميز الخياطة التقليدية للقفطان المغربي بانتمائها إلى مناطق مغربية مشهورة، فالخياطة الفاسية تتميز بأصالة عريقة تمزج بين أصالة الإتقان وخيوط «الصقلي «المترقرقة باللمعان والتي لا ترضى المرأة الفاسية عنها بديلاً، وهناك الخياطة الرباطية التي يطلق عليها أيضاً الخياطة «المخزنية» لأنها تجعل من الثوب قفطانا فضفاضاً.

يشير الدكتور بركات محمد مراد في بحث له عن الصورة والعولمة الى «لقد تمكنت وسائل العولمة من اختراق الحدود الثقافية انطلاقا من مراكز صناعة وترويج الثقافة السائدة ذات الطابع الغربي المُؤمرك، عبر آليات التأثير الإلكتروني، مستخدمة الصورة بدل الكلمة، لصالح اكتساح الفضاء الثقافي الذي يُغزي بقيم الغالب الثقافية ونظرياته على حساب قيم الشعوب المغلوبة، مهددا إياه بالانزواء والاحتماء بالتاريخ والتراث، أو الذوبان في خضم الثقافة السائدة والضياع في تيارها الجارف».


ويبقى للزي النسائي العربي طابعه الخاص بين غيره من الأزياء العالمية خاصة من الناحية التقليدية؛ إذ أدخل المصممون لمساتهم ليقع ضمن اختلاف الرؤى المحلية بين موافقين على الحداثة في الزي العربي المتميز وبين المعارضين لذلك؛ كما تختلف نظرة بعض المصممين العرب إلى الأزياء العربية فبعضهم حافظ على أصالتها مع ربطها بالمعاصرة. والبعض الآخر تناسى أن للزي العربي رونقاً وطابعاً خاصاً فطغت المعاصرة على الأصالة ونتج عن ذلك زي مختلف تماماً عن الزي الأصيل، وهذا ما ينطبق على الزي الخليجي حيث دخلت عليه عناصر جديدة ليوائم متطلبات العصر من قبل الوافدين. وبعض المصممين أفقدوا الزي الأصيل لمسته وأصالته، لأن المعاصرة والتطور ليس في المضمون وإنما في الإضافات والتعديلات.. بحيث نأخذ من المعاصرة ما يناسب موروثنا ويحافظ على أصالة أزيائنا.
ورغم تأثر الأزياء الشعبية العربية بالأزياء العالمية وتغير ملامحها إلى حد كبير، إلا أن بعض الأزياء الشعبية ما زالت مسيطرة ومرغوبة وخاصة في المناسبات والاحتفالات الرسمية، ومن هذه الأزياء: ثوب الملكة والدجاني والسبعاوي في فلسطين، والدراعة في الكويت، والخنك في البحرين والمشمر في عُمان، والقفطان بالمغرب، والكاراكو والشدة الجزائري، والملية والكدرون التونسي، والازار السوري، والهاشمي العراقي، والمدرقة الأردنية، والمقطع أو الدراعة السعودي، والزنة اليمني، وأكنبة وسوار والمفتلة الموريتانية.


ويرى «جاك شاهين» في بحث له عن الصورة النمطية في الثقافة الأمريكية أن الإعلان الأمريكي يعتمد بشكل واسع على خلق صورة نمطية معينة، ثم يأخذ في تغذية هذه الصورة النمطية ويكررها، ويعيد إنتاجها باستمرار إلى أن يفرضها وكأنها حقيقة لا تقبل الجدل، وقد أصبح تأثير الصورة النمطية السلبية قوياً في كل وقت، وهو أشد خطورة الآن وأشد تدميراً، بعد أن أصبح بإمكان أجهزة الإذاعة والتفلزة والصحافة وتقنيات الطرق السريعة للمعلومات نقل الكلمة والصورة على نطاق واسع وبشكل فوري».
أخيراً، قد نفاجأ عندما نسمع أن الكثير من الأزياء التي تملأ واجهات المحلات في الأسواق الغربية هي عربية الأصل والجذور، حيث يعمد كبار مصممي دور الأزياء في العالم، في كثير من المواسم، إلى اعتماد الخطوط الأساسية للأزياء العربية في وضع تصاميمهم المعاصرة التي يغزون بها العالم، في حين نحجم – نحن العرب – عن هذه المهمة باللهاث وراء صرعات الأزياء المستوردة، دون محاولة استلهام أزيائنا الأصلية في التصاميم الحديثة، حتى إن أزياءنا العربية تعود إلينا أجنبية.

مقالات ذات صله