من اقتصاد الثقافة إلى الصناعات الثقافية

عزيز أزغاي

حسب الموسوعة الحرة الالكaترونية، يعتبر «اقتصاد الثقافة» فرعاً من فروع الاقتصاد الذي يهتم بكل المظاهر الاقتصادية للإبداع، من التوزيع واستهلاك العمل الفني. وقد اهتم هذا النوع من الاقتصاد، لوقت طويل، بالفنون الجميلة والعروض الحية كما هو متعارف عليه في العادات الأنجلوساكسونية، كما أن اهتمامه قد توسع، منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين، من أجل دراسة خصوصيات الصناعات الثقافية؛ من قبيل السينما وطبع الكتب والموسيقى، إضافة إلى اقتصاد المؤسسات الثقافية، كالمتاحف والمكتبات والمعالم التاريخية.


وقد ظلت المقاربة الاقتصادية لكل ما هو إبداعي وفني وثقافي بشكل عام، ولوقت طويل، خارج حدود التحليل الاقتصادي، على اعتبار أن العمل الفني، مثل اللوحة أو المنحوتة، يبقى عملا مفردا (unique)، أي غير قابل للنسخ. ولعل هذا العنصر هو ما دفع أدام سميث إلى القول باستحالة تقييم هذه الإنتاجات الإبداعية.

من المؤكد أن هذه التحولات جاءت نتيجة لواقع اقتصادي تميز بانتقالات متسارعة ميزت بعض فترات القرن العشرين


وإذا كان كل من كينيث بولدين وجون كينيث كالبرايت (Kenneth Boulding, John Kenneth Galbraith)، وهما باحثان أمريكيان ينتميان إلى ما يعرف تحت اسم «المؤسساتيين» (les institutionnalistes ) قد أشارا إلى أهمية تطور الطابع الاقتصادي في المجال الفني (3)، فإن تأسيس اقتصاد الثقافة، كمجال متخصص، يعتبر – بالأساس – نتيجة أعمال كل من ويليام بومول وويليام بوين (William Baumol et William Bowen ) (4) في مجال العروض الحية، وغاري بيكير ( Gary Becker ) بالنسبة لبضائع الإدمان – les biens addictifs، ثم أدام بيكوك ( Adam Peacock ) بالنسبة لكل ما يتصل بالمدرسة العمومية.

غير أن اقتصاد الثقافة لم يصبح متداولا على نطاق واسع، خاصة على المستوى المؤسساتي، إلا من خلال «مجلة الاقتصاد الثقافي» «Journal of Cultural Economics» المتخصصة في هذا المجال، والتي ظهرت في سنة 1977. لكن الطفرة التي سيشهدها هذا النوع من الاقتصاد سرعان ما ستعرف بعض الخفوت، والذي استمر إلى حدود سنة 1994، وهي السنة التي قام خلالها مجموعة من الاقتصاديين بإعادة إحياء هذا الفرع من الدراسات الاقتصادية، من خلال ظهور نشرة أدبية أصدرها دافيد تروسبي ( David Throsby ) في مجلة اقتصاد الأدب ( Journal of Economic Litterature ) (5)، ليليها بعد ذلك، ظهور كتابين موجزين خصصا معا لمساءلة وضعية الأدب، واللذين تم إغناؤهما من طرف روث طوز ( Ruth Towse ) في سنة 2003، ثم من طرف دافيد تروسبي ضمن السلسلة المرجعية North – Holland (6).

إننا أصبحنا أمام واقع ثقافي يختلف كثيرا أو قليلا باختلاف التأثيرات التي يعكسها النمو المطرد للآلة الاقتصادية


وعلى الرغم من ذلك، ظل تحديد مفهوم «اقتصاد الثقافة» يطرح نفسه كإشكال غير مكتمل، على غرار مفهوم الثقافة نفسه، مع العلم أن المجال الذي انبثق منه هذا المفهوم تاريخياً، أي دراسة مجال الفنون الجميلة والعروض الحية (مثل المسرح والأوبرا)، مازال يعتبر هو الآخر مجالاً خصباً للدراسات والأبحاث والاجتهادات، على مستوى الدول التي قطعت أشواطااً كبيرة في هذا المجال.
من المؤكد أن هذه التحولات جاءت نتيجة لواقع اقتصادي تميز بانتقالات متسارعة ميزت بعض فترات القرن العشرين. فخلال الخمسين سنة الأخيرة، شهد الاقتصاد العالمي مزيدا من الانفتاح في الأسواق. فما بين سنتي 1950 و1998 عرف معدل المبادلات التجارية ارتفاعاً انتقل من 8 إلى 27 % بالنسبة للإنتاج الوطني الصافي على المستوى العالمي (7). هذا الواقع المتحول، الذي اتسم بظهور نماذج إنتاجية، استهلاكية وتجارية جديدة، تميز أيضاً بولوج الإنتاجات ذات الحمولة والطبيعة الثقافية إلى معترك المنافسة الاقتصادية الشرسة، إلى أن أصبحت تشكل إحدى مظاهر العولمة، حيث تضاعف هذا النوع من الاقتصاد بنسبة خمس مرات ما بين سنة 1980 وسنة 1998.


من هنا بدأ هذا المجال، الذي يطلق عليه «مجتمع المعرفة «وأيضاً» مجتمع المعلوميات»، يعرف استعمالا مطردا لمفهوم «الصناعات الثقافية»، نتيجةً لهذا التطور السريع الذي أصبح يطبعه. غير أن هناك من الدارسين (9) من يُرجٍعون البدايات الأولى لبروز مفهوم «الصناعات الثقافية» إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت ميلاد المؤسسات الصحافية الكبرى. لكن وتيرة هذه الصناعات سرعان ما ستعرف ارتفاعاً ملحوظاً مع بداية القرن العشرين، مع ظهور التسجيلات الصوتية والأسطوانات والإذاعة، يضاف إلى ذلك بداية انتشار التلفزيون والبث التلفزي في الفترة ما بين سنتي 1950 و1980. وخلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين، سيساهم هذا النوع من الصناعات (الثقافية) في التنمية التكنولوجية والتنمية الاقتصادية على حد سواء.
وفي هذا الصدد، يرى جون غي لاكروا (Jean-Guy Lacroix)، الباحث في المجال السوسيولوجي ومجال التواصل والمعلوميات بجامعة موريال الكندية، أن الصناعات الثقافية تعتمد على شكلين أساسيين من التجارة لتصريف منتجاتها. الشكل الأول ويسمى بالمتموج ( Flot )، ويقصد به «كل الإنتاج والإرسال اللذين يتمان بطريقة مسترسلة «مثل البث الإذاعي والتلفزي. أما الشكل الثاني، فيسمى بالتحريري (Editoriale)، ويشمل تقنيات إعادة الإنتاج التي تساعد على بيع نسخة لعمل إبداعي مباشرة للمستهلكين، سواء تعلق الأمر بكتاب أو أسطوانة موسيقية أو فيلم سينمائي أو مجرد ملصق. غير أن الباحث نفسه يرى إمكانية الحديث عن شكل تجاري ثالث، ويسميه بالنادي ( Club )، والذي بدأ يحقق حضوره مع انتشار البث الرقمي.


لذلك، يمكن اعتبار القرن العشرين، الذي شهد ثورة صناعية كبرى نقلت المجتمعات من الطابع الصناعي المحض إلى مرحلة ما بعد الصناعية، قرن ظهور «ثقافة الجمهور» (Culture de masse)، بما في ذلك المجال الثقافي، ولكن تبعاً لطرق صناعية يمكننا حصرها في بعض المظاهر الواضحة كـ: سحب أعداد كبيرة من الكتب، والتسجيلات الموسيقية، والسينما، ناهيك عن تطور وسائل الإعلام المتداولة، خاصة الراديو والتلفزيون، وصولاً إلى الانترنيت. من هنا أصبحت مسألة تمييز المنتوج ذي الطبيعة الثقافية عما سواه تطرح نفسها بإلحاح كبير، وقد وجد المهتمون باقتصاد الثقافة صعوبة كبيرة في الوصول إلى تحديد الفروقات المميزة في هذا المجال.
وقد ذهب بعض هؤلاء الأخصائيين إلى وضع مميزات قبلية في اختيار المنتجات، سواء تعلق الأمر بطريقة صنعها أو طلبها، بما يسمح لهم بتمييز المنتوجات الثقافية عن غيرها. ورغم ذلك، ظل هذا التوصيف فضفاضا وشاسعا، مما يسمح باعتبار منتجات أخرى يتدخل في إنتاجها وصنعها التنامي المتواصل لفن التأثيث ( design ) منتجات ثقافية. ومن ثم، اعتبر هؤلاء أن المؤشر الإبداعي ينبغي أن يكون المحدد الأساس لقيمة الشيء وهو القابل لتصنيفه(*). L’encyclopédie libre – fr.wikipedia.org, Economie de la culture
لهذا السبب، قام الاقتصاديون المشتغلون في هذا المجال بتبني مفهوم «الصناعات – Industries» كمحتوى لتحديد مجموع قطاع إنتاج ما هو ثقافي، والذي ينبغي استحضار قيمته الرمزية أكثر من طابعه أو تمثلاته المجسدة. من هنا يمكننا مثلاً اعتبار الكتاب منتوجاً ثقافياً، سواء كان ما يحتويه محصوراً بين دفتي غلاف أم لا، وسواء كان هذا الغلاف من النوع الرفيع أو من النوع العادي. وفي المقابل، فإن آلة تسجيل رقمية حين تصبح معطلة، فإنها تفقد قيمتها رغم كونها تحمل شكلاً جمالياً مميزاً * op. cit


من هنا بتنا أمام ظواهر ثقافية تعكس التحولات السريعة التي يعرفها العالم الحديث، كما أننا أصبحنا أيضا، نتيجة التفاعل الحاصل بين ما هو ثقافي وما هو اقتصادي المتأثر بتداعيات العولمة، أمام سياقات جديدة تؤثث هذا المجال في علاقته بالجمهور، والمؤسسات الحكومية، وبين الدول فيما بينها. حيث يمكننا أن نقف، انطلاقاً من بعض الملامح التي وقفت عندها الموسوعة الالكترونية الحرة الخاصة بالاقتصاد والثقافة، على بعض هذه المؤشرات انطلاقا من:
1 – الأهمية التي أصبح يحظى بها المعطى الثقافي مع تزايد إملاءات العولمة، وذلك من خلال تنظيم حركات الإدماج الجهوي وأيضاً من خلال فسح المجال لبروز عنصر التنوع والغنى الثقافيين، ناهيك عن كون الصناعات الثقافية – على ضوء كل ما سبق – باتت تسهم في إتاحة مزيد من هامش الظهور والتعبير للعديد من أشكال التعبير الثقافي التقليدية، مع ما يعنيه ذلك من تعديل متواصل للممارسات الثقافية في حد ذاتها.
2 – إن مخرج «ثقافة – تجارة»، اتخذ أبعاداً استراتيجية جديدة، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية وكل ما هو ثقافي عامة، لا ينقل أو يبني الإشارات والقيم، التي بإمكانها إعادة إنتاج الهويات الثقافية والمساعدة على التماسك الاجتماعي فقط، وإنما أيضاً يمثل عنصراً بل آلية إنتاج تخضع لمنطقها الخاص، بما يعكس طبيعة الاقتصاد الجديد.
والنتيجة أن المحادثات الاقتصادية التي يشهدها القطاع الثقافي، من حين لآخر، أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدا، مما حذا بكثير من الباحثين إلى التأكيد على أن أي قطاع آخر لم يسبق له أن أثار هذا الحجم الهائل من التساؤلات ومن المحادثات التي يثيرها القطاع الثقافي بخصوص نقاط شائكة مثل: الشرعية ومسألة الحدود السياسية والاقتصادية والمؤسساتية لمسلسلات الإدماج، سواء على المستوى الجهوي أو على الصعيد العالمي.


ويظهر ذلك جليا، حينما تعمد الثقافة، خلال المحادثات والمناقشات، إلى تحديد التعقيدات التي تواجهنا، خصوصا العلاقة بين المظاهر والمحددات الاقتصادية، وتلك التي تملك مظهرا طبيعيا، حيث إن هذه الأخيرة لا تقدر بثمن ولا يمكن حصر قيمتها المادية (مثل الهوية، الجمال أو أيضا معنى الحياة …).


3 – لاحظت بعض الحكومات في كثير من دول العالم أن قانون التجارة الدولي بدأ يحد تدريجيا من قدرتها على التأثير في إنتاج وتوزيع كل ما له طابع ثقافي داخل حدودها. هذا الوضع عائد بالأساس إلى تعدد المفاوضات التجارية، خاصة حينما تتناول، ولو بطريقة غير مباشرة، واقع القطاع الثقافي على الخصوص.
4 – أشار برنامج الأمم المتحدة للتنمية ( PNUD ) المنجز في سنة 1999 حول موضوع التنمية البشرية، إلى أن أكثر من ثلثي البشرية لا يستفيدون من نماذج النمو الاقتصادي الجديدة، التي تنبني على اعتماد التجارة الدولية والتنمية على التكنولوجيات الحديثة. ومن ثم، يصبح هذا الجزء من البشرية غير مشارك في بناء مجتمع المعلوميات.
وعلى هذا الأساس، فإن التدفق التجاري للإنتاجات الثقافية أصبح يعرف نوعا من اللاتوازن. كما أن كل ما يتعلق بالصناعات الثقافية أصبح هو الآخر يعرف نفس الوضع اللامتوازن بين المجموعات التجارية الجهوية، بل وداخل هذه المجموعات نفسها. نفس التباين يظهر جلياً كذلك فيما يتعلق بالموارد وبقدرة مختلف الدول على تطوير إنتاجها الثقافي، وخاصة الدول الصغرى أو تلك التي توجد في طور النمو.* op. cit
وترجع الدراسات المنجزة في هذا الإطار التطور الذي يعرفه هذا النوع من الاقتصاد إلى التغيرات التي طرأت على طريقة الاستهلاك الترفيهي والإنتاجات الثقافية، لكنها أيضاً تعكس بالأساس التطور الحاصل في أنواع الإنتاج وعرض المنتوجات الثقافية، بسبب الثورة التكنولوجية وانخفاض أثمنتها، وأيضاً إلى استقرار سوق العرض.
خلاصة القول، إننا أصبحنا أمام واقع ثقافي يختلف كثيرا أو قليلا باختلاف التأثيرات التي يعكسها النمو المطرد للآلة الاقتصادية، وكذا تعدد الإملاءات التي أخذت العولمة تفرضها على مستوى المبادلات التجارية بين الدول، أضف إلى ذلك ظهور وتطور مفهوم الصناعات الثقافية، الذي يرتبط بثلاثة آليات أساسية، وهي: التكنولوجيات الحديثة والإنتاج ثم إعادة الإنتاج. حيث ساهم التطور الذي شهده الفضاء الرقمي وانتشار الأقمار الاصطناعية، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، في حدوث ثورة داخل أنماط الإنتاج والعرض الثقافيين، اللذين أصبحا بدورهما يتحددان تبعاً لديناميتين متوازيتين: فمن جهة هناك حدوث دينامية في سوق العرض على المستوى العالمي، ثم انخفاض أثمنة التجهيزات التقنية من جهة ثانية. ولعل هذا العنصر الأخير هو ما ساعد عددا كبيرا من الفنانين والمقاولات، بما فيها مقاولات دول الجنوب، من ولوج عالم الإنتاج، لضمان موطئ قدم في مجال المنافسة القوية القادمة من الدول المتقدمة.
وعلى الرغم من تحول مفهوم «الصناعات الثقافية» وحصول نوع من التوافق حول تداعياته التي لا تخلو من فائدة، لا يجوز لنا أن نغمض العين عن بعض أوجه التخوف والارتياب اللذين رافقا صياغته «منذ بداية تداوله، والذي يرتبط في الأصل بالنقد الجذري الماركسي للترفيه الجماهيري من جانب مدرسة فرانكفورت، خلال الثلاثينات والأربعينات وما بعدها – أو ما يسميه بعض الدارسين بعصر «السياسات الشمولية الواسعة والحرب الشاملة».* «الصناعات الإبداعية» – جون هارتلي، ترجمة: بدر السيد سليمان الرفاعي – سلسلة عالم المعرفة عدد 338 أبريل 2007 – ج 1 ص: 18
حيث كان منظرو هذه المدرسة، وبعض الذين ساروا في ركبهم فيما بعد، أمثال تيودور أدرنو وماكس هوركايمر وحنه أرنت أو هربرت ماركيز وهانز ماغنوس إنزمسبرغر… يستخدمون مفهوم «الصناعات الثقافية» أو «صناعات الثقافة» للتعبير عن اشمئزازهم من نجاح الفاشية، الذي يجدون له مبرراً – جزئياً – في استخدام إعلام «الاستنساخ الآلي» في الدعاية والترويج للإيديولوجية الفاشية في أوساط الجماهير، أو ما يطلق عليه «تجميل السياسة».
ولعل هذا الهاجس المتخوف من زواج الصناعي بالثقافي، وما يمكن أن ينتج عنه من تبخيس وسلعنة للروح الإنسانية التي كان وينبغي لها أن تستمر في الإعلاء من كل ما هو ثقافي مشترك، هو ما دفع بالعديد من المثقفين الأمريكيين أمثال ريموند ويليام إلى اعتبار إنتاج وتوزيع البضائع الثقافية على نطاق صناعي واسع في «مصانع أحلام» هوليود مثلا، يعتبر بمثابة كارثة على الثقافة. ومن ثم، كان تكاثف آراء رواد مدرسة فرانكفورت، التي انضم إليها الشاعر الأمريكي ت. س إليوت، على هذه الخلفية، والتي اعتبرت بعض مظاهر تصنيع الثقافة بمثابة فكرة «رخيصة» تفتقر إلى الأصالة، لكونها تهدف وتساهم في تسليع «العقل البشري».
من هنا ساد تداول مفهوم «الصناعات الثقافية» لوقت طويل، باعتباره يعبر عن استخفاف بالناس، من خلال الصحف والأفلام والمجلات والموسيقى الشعبية، التي «تصرفهم» عن القيام بواجبهم في إذكاء الصراع الطبقي في نظر مثقفي اليسار، أو تنحاز إلى قيم التراث الأرستقراطي في تقدير مثقفي اليمين.


وعليه، يمكننا القول إن تعبير «الصناعات الثقافية» قد مر من مرحلتين متناقضين من حيث الاستعمال. فمن جهة هناك المرحلة التي ضخ فيه رواد مدرسة فرانكفورت حمولة ماركسية رافضة لكل تصنيع أو تدجين للفعل الثقافي، من خلال الاستجابة لمنطق الربح والتشييء والاستنساخ، وكلها مصطلحات ذات نفحة اقتصادية أكثر منها ثقافية. من جهة أخرى هناك المرحلة الثانية، التي تَخفف فيها هذا التعبير من حمولته الماركسية وانتقل لحيز التداول بشكل كبير في القاموس السياسي، خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، حيث أصبحت له فائدته في إقناع الحكومات المحلية أو الفيدرالية ( حسب التعبير الأمريكي ) أو القومية ( حسب الرؤية الأوربية ) بتشجيع الفنون والثقافة لفوائدهما الاقتصادية التي يقدمانها للتجمعات الإقليمية.
وإذا كان هذا هو المسار الذي قطعه مفهوم الصناعات الثقافية، سواء في أوربا أو أمريكا، والذي يستند، ضمن ما يستند إليه، على تاريخ طويل من التفكير والصراع والإبداع، فإن محاولة استنبات هذا المفهوم في التربة العربية أمر لا يخلو من مغامرة وتعسف واضحين، لكون واقعنا الثقافي يختلف اختلافا كبيرا عن مثيله في أمريكا أو أوربا، بالنظر إلى العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والنفسية… التي تحكم وتتحكم في مجريات وتقلبات كل واقع على حدة.


فالأكيد أن قوة أي إبداع، كيفما كانت قيمته وحجم إنتاجيته، لا يمكنها أن تقاس إلا بمدى تمكنه من تكريس تأثيره الاجتماعي داخل المجتمع الذي ينتج داخله، غير أن هذا التأثير لا يمكن حدوثه لمجرد أن هناك أفراداً مبدعين، بل ينبغي أن يتوفر لمثل هؤلاء الأشخاص النمو والمال والبنيات التحتية والتنظيم والأسواق وحقوق الملكية … وعمليات واسعة النطاق، يمكنها استيعاب ذلك الإبداع، وتحويله إلى أداة مؤثرة داخل مختلف بنيات المجتمع. ولعل غياب معظم هذه المقومات هو ما يشكل مأزقاً حقيقياً داخل مجتمعاتنا العربية، التي مازالت ذهنياتها الدينية لم تتجاوز الكثير من أعطابها التاريخية، كما أنها لم تحسم، بعد، مع طبيعة الأسئلة الملحة، التي ينبغي لها أن تكثف مجهوداتها لإيجاد أجوبة حاسمة لها، في أفق محاولة اللحاق بركب عالم اليوم وإشكالاته الاقتصادية والصناعية والثقافية الراهنة على حد سواء.

مقالات ذات صله